الفصل الثالث: وحدانية الروح
بعد ما طعنوها أصحابها وخلوها واقفة في نص الطريق بروحها، صارت أيامها كلها رماد، ما عادش فيه شي يفرّحها، حتى الأماكن اللي كانت تجمعهم ويملاها الضحك صارت جدران صامتة تكتم على قلبها. كانت تمشي في الشوارع وتتذكر كل خطوة مشتها معاهم، تتذكر أصواتهم وضحكاتهم وكلامهم اللي كان يدفّيها، واليوم كل شي صار مجرد أشباح تلاحقها.
الوجع ما كانش بس من خيانتهم، لكن من إنها حبتهم بصدق أكثر من اللازم، عطتهم قلبها من غير شروط، وهم بدال ما يصونوه كسّروه بأبسط الطرق. كانت تتمنى لو يجي يوم واحد يحنّوا فيه، يسألوا عليها، يطبطبوا على جرحها، لكن لا حياة لمن تنادي، كانوا ماشيين في حياتهم كأنها عمرها ما كانت موجودة.
كانت تجلس في الليل وسط العتمة، تسمع صدى أنفاسها وتبكي بصوت مخنوق، تحس الدنيا كلها تخلّت عليها، حتى النجوم اللي كانت تعشق تطالعها صارت تطفي في عيونها. كل دمعة تنزل من عيونها تحرق خدودها وتزيد الوجع اللي عمره ما خف.
الخذلان كان يتغلغل في عظامها، يخليها ضعيفة حتى من غير ما يلمسها حد. كانت تسأل: "شن درت باش نستاهل الغدر؟ علاش يا ربي خليتني نصدق في ناس ما تستاهلش؟". ما كانش عندها رد، غير إنها تحس نفسها غريبة حتى وهي بين ناسها.
بقت تخاف من الكلام، تخاف من الوعود، تخاف من أي إيد تمدلها، لأنها متأكدة إن كل إيد فيها خنجر مخبي. كانت طفلة بريئة صارت فجأة امرأة محمّلة بجراح الدنيا كلها. كل حلم كان عندها تهدم، وكل أمل كان في روحها انطفى.
كانت تعيش كأنها ظل إنسانة، تاكل وتنام وتضحك قدام الناس، لكن جواها قبر كبير مليان بقايا قلبها المكسور. واللي يوجع أكثر إن ما فيش حد حاول يفهم حجم الألم اللي عايشته، كانوا يشوفوا بس الواجهة، أما الباطن فكان مليان موت بطيء.