هي أو العالم - الفصل 2: الجزء 4 والأخير - بقلم MARINE | روايتك

اسم الرواية: هي أو العالم
المؤلف / الكاتب: MARINE
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 2: الجزء 4 والأخير

الفصل 2: الجزء 4 والأخير

بعد انتهاء الدروس وخروجنا مبكرا، اقترحتُ على ماريا أن نتجول قليلًا في الشوارع بدراجتي النارية. وكعادتها، لم تفوّت الفرصة لتتوسل إليّ كي أجعلها تقود. لم تكن تملك رخصة قيادة، ومهارتها خلف المقود… كارثية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكنني في النهاية رضخت. ربما لأن ابتسامتها الماكرة دائمًا ما كانت قادرة على هزيمتي. هكذا وجدت نفسي جالسًا في الخلف، بينما هي ترتدي خوذتي وتتشبث بالمقود بثقة مريبة. كنت مستقيم الجلسة، أضع يدي على حافة المحرك خلفي، وأترك مسافة فاصلة بين صدري وظهرها، محاولًا التمسك برصانتي قدر الإمكان. قلت بلهجة تحذيرية هادئة: ــ ماريا… كما اتفقنا. دقائق قليلة فقط، ولا سرعة عالية. مفهوم؟ التفتت نحوي بعينيها المتلألئتين، وصرخت بحماسة: ــ غيـر مفهـوم!! ثم ضغطت على المقبض فجأة، فانطلقت الدراجة كالسهم في الشارع. اتسعت عيناي رعبًا، بينما راحت هي تضحك بمرح هستيري، والريح تعبث بخصلات شعرها المتسللة من تحت الخوذة. ــ ماري! أوقفي الدراجة! هذا جنون!! لكنها لم تكن تسمعني، أو ربما ترفض أن تسمع. كان صوت ضحكاتها يطغى على كل شيء. هذه الفتاة إن لم أمت من حبها فسوف أموت من مخاطر تهورها انحنيت نحوها وأنا أصرخ: ــ ماري! اتركي المقود الآن، فقط أبعدي يديكِ ودعيني أبطئ السرعة! لكنها التفتت نحوي بعناد، وعيناها تقدحان نار التحدي: ــ مستحيل!! وكانت تلك اللحظة كفيلة بأن تفتح أبواب الكارثة. إذ لم تنتبه للسيارة القادمة نحونا بسرعة من الجهة المقابلة. صاحبها بدا مذعورًا، يضغط على المقود بكل قوته. أشرتُ لها وصرخت: ــ ماري! السيارة! عادت إلى وعيها فجأة، قبضتاها اشتدتا على المقود، عيناها ضاقتا بتركيز لم أره عليها من قبل. ثم انحرفت بالدراجة بقوة نحو اليمين، بينما مال السائق بسيارته إلى اليسار. بأعجوبة، نجونا من الاصطدام الأول. تنفست بصعوبة… لكن لم يطل الأمر حتى اكتشفت أن الأسوأ لم يأتِ بعد. انحراف ماريا جعلنا نخرج عن الطريق تمامًا، والدراجة تتجه بسرعة جنونية نحو شجرة ضخمة أمامنا مباشرة. بضع ثوانٍ فقط… لا وقت للتفكير أو الفرملة. بغريزة البقاء، نهضت من مكاني، طوقت خصر ماريا بذراعي من الخلف، وقفزت بها بعيدًا إلى الوراء بأقصى ما أملك من قوة. ــ بوممممم!! اصطدمت الدراجة بالشجرة بقوة، لتنفجر لحظتها وكأننا في مشهد من فيلم أكشن مبالغ فيه. سقطنا على الأرض بعنف، ارتطم وجهي بالأسفلت، مخلفًا بعض الخدوش والدماء، بينما ارتج رأسي كأن الأرض كلها اهتزت تحتي. أما هي… فقد بقيت بين ذراعي، وعينيها ما زالتا متسعتين، مزيج من الرعب والذهول والضحك المكتوم. تابعنا السير بعد الحادث، لكن هذه المرة على أقدامنا. كنّا نسير جنبًا إلى جنب، والهواء البارد يلفح وجهي، لكن حرارة الغضب في داخلي كانت كفيلة بإذابة أي برودة. لم أقل شيئًا، لم أصرخ ولم أعاتب، لكن وجهي كان أبلغ من ألف كلمة. تقاسيم مشدودة، حاجبان معقودان، وعبوس ثقيل يجعلني أبدو وكأنني على وشك الانقضاض على أول شخص يقترب منّا. كانت دراجتي أكثر من مجرد آلة معدنية ذات محرك، لم تكن غالية الثمن لكنها غالية القلب. أول دراجة امتلكتها منذ أن حصلت على رخصة القيادة، رافقتني في طرقات كثيرة، وشهدت لحظات فرحي وحزني. والآن… تحولت إلى كومة حديد محترق بسبب جنونها. التفتت ماريا نحوي بابتسامة واسعة، محاولة إخفاء توترها خلف قناع المرح. حتى أنها انحنت قليلًا لتلتقط نظري: ــ على الأقل… لم نمت، ولم يمت أي شخص، صحيح؟ أخذت نفسًا عميقًا، ثم أطلقته ببطء في تنهيدة طويلة أثقل من خطواتي: ــ نعم… هذا هو الجانب الإيجابي الوحيد. سكت لحظة، ثم أضفت بنبرة حاسمة وأنا أشيح بصري بعيدًا عنها: ــ عليّ العودة إلى المنزل… وهيا، سأوصلك إلى بيتك أيضًا. فتحت ماريا باب المنزل بقوة، ورمت حقيبتها عند المدخل، ثم اندفعت نحو غرفة الجلوس. ألقت بجسدها على الأريكة واستلقت على بطنها، تغمر وجهها في الوسائد وهي تتنهد قائلة بصوت مبحوح: ماريا: "أخيييراً... المنزل." دخلت والدتها بعد لحظات وهي تحمل سلة ملابس نظيفة بين يديها، ونظرت إليها باستغراب قبل أن تقول بنبرة مازحة ممزوجة بالتذمر: الأم: "من يراكِ هكذا يظن أنكِ عدتِ لتوّكِ من معركة مع الغيلان، لا من المدرسة." أجابت ماريا وهي ما تزال مدفونة في الوسائد، بالكاد يُسمع صوتها: ماريا: "ويالها من معركة خاسرة..." أطلقت الأم تنهيدة طويلة ثم وضعت السلة على الطاولة الصغيرة، وقالت بنبرة حازمة: الأم: "على الأقل اصعدي إلى غرفتك، بدّلي ملابسك وارتاحي هناك، ثم تعالي إلى غرفة المعيشة مثل البشر. لكن أن تنهاري مباشرةً على الأريكة؟! ... على أي حال، هل عدتِ مع جاك؟" أومأت ماريا برأسها بلا حماس، وجهها ما يزال غارقاً في الوسائد. جلست الأم على الطرف المقابل، وبدأت تطوي الملابس بهدوء وهي تقول: الأم: "وكالعادة... من قلة ذوقك لم تكلفي نفسك وتدعيه للدخول." رفعت ماريا رأسها ببطء، تنظر لأمها بعينين نصف مغمضتين وقالت بجدية طفولية: ماريا: "أمي، جاك ليس غريباً. لو أراد الدخول لدخل." هزت الأم رأسها وهي تضحك : الأم: "جاك مؤدب. لا يدخل أبداً بلا إذن. ويحرص أن يأتي في الوقت المناسب... على عكسك تماماً." زفرت ماريا وهي تعود لتدفن وجهها في الوسادة مجدداً قبل أن تقول بتمتمة ضجرة: ماريا: "كان عليه أن يذهب لاصطحاب أخته... ويبقى معها على أي حال." جاك غاضب ومنزعج، فحتى لو دعوته للدخول لما وافق أصلًا. الأم (بدهشة): غاضب ومنزعج؟! ولماذا؟ ماذا حدث هذه المرّة؟ ماريا (ببرود وهي تهز كتفيها): لا شيء… جاك يغضب لأتفه الأسباب. الأم (بنبرة حازمة): جاك لا يغضب بلا سبب، وإذا كان غاضبًا منكِ، فلا بد أنكِ فعلتِ شيئًا. قولي الحقيقة. نهضت ماريا بتململ، تاركة الأريكة، واتجهت نحو والدها الجالس في منتصف الصالة على الأريكة الكبيرة. كان الأب منهمكًا في مشاهدة برنامج قانوني؛ محكمة، محامون، قضية تُناقش… ملامحه مركّزة كأنه واحد من الحضور داخل القاعة، حتى أنه بالكاد التفت إليها. أما جوليا، فكانت جالسة بهدوء على الأريكة الأخرى، تتابع طوي الملابس ماريا (تجلس بجانبه، تحدّق في الشاشة ثم به): أبي، لديك شغف كبير بالقانون… لماذا لم تدرس المحاماة بدلا من صرت مدير شركة؟ حتى جدي وجدتي أعطوك الحرية، لم يجبرك أحد. الأب (وعيناه ما زالتا على التلفاز): صحيح… ولكن أنا اخترت هذا الطريق. القانون بالنسبة لي هواية فقط، وليس مهنة. ماريا (متحمسة تغير الموضوع): حسنا أبي… بدلا من تضيّيع وقتك على التلفاز، لماذا لا تستغله وتذهب و تشتري لي قطّ وهمستر؟ الأب (ببرود وهو ما زال يراقب الشاشة): وهذا برأيك لا يُعتبر تضييع وقت؟ ماريا (بلهجة متوسلة): أبي! حرام عليك… من شهور وأنا أطلب منك. أمي سدت كل الأبواب في وجهي، وما بقي عندي أمل فقط فيك الأب (ساخرًا): إذن استعدي ليخيب أملك بي أيضًا. ماريا (تضع يدها على صدرها وكأنها مجروحة): بابا! أنا جادّة… أريد صديقًا حيوانًا أعتني به، أربيه… يعني طوال حياتي مع البشر؟ ألا يحق لي أعيش مع حيوان أليف؟ الأم (تتدخل وهي تنظر إليها بحدة): يكفي يا ماريا. نحن لا نحتاج مسؤولية جديدة. هل نسيتي العصفور اللي ربيته وألقيتِه من النافذة بحجة أنك تختبرينه إذا كان يقدر على الطيران؟! الأب (يضحك بخفوت): ولا ننسى قطة صديقي التي أخذتها عشر دقائق، ثم رميتها في المسبح من أجل "أن تتغلّب على خوفها من الماء". الأم (تضع يدها على جبينها متذكرة): والمسكينة عندما خرجت مبتلة جاء الكلب وأمسكها، وظل يهزها يمينا ويسارا حتى ماتت. الأب (ساخرًا): والقائمة طويلة… الأم (بحسم وهي تحدق في ابنتها): مع تاريخك الأسود مع الحيوانات، انسي الموضوع. أي مسكين نقوم بشرائه لكِ لن يعيش طويلًا بين يديك. الساعة التاسعة مساءً كنت جالسًا على كرسي مكتبي، واضعًا الهاتف في منتصف الطاولة، متكئًا إلى الوراء وقد عقدت ذراعي، أراقب شاشة الهاتف حيث كنا جميعًا في مكالمة فيديو جماعية. كان كريس مستلقيًا على سريره، بينما جيمي – كعادته – غارق في عادة مقززة وهو يحك أنفه بإصبعه. أما نتاشا فكانت تجلس على مكتبها أيضًا، تغطي وجهها بيديها، وخديها متورّدان من الحرج. ماريا بدورها كانت في غرفة المعيشة، تقضم وجباتها الخفيفة بنهم، في حين ظهر سايمون في نفس الغرفة، وقد وضع هاتفه بين الوسائد، واقفًا فوق الطاولة محاولًا إصلاح مصباح معلق، عاري الصدر بلا أي اكتراث. قطع كريس الصمت وهو يمرر يده خلف رقبته قائلًا بسخط: ـ جيمي! أبعد إصبعك عن أنفك، هذا مقرف. على الأقل أغلق الكاميرا إن لم تستحِ. ثم ما كل هذه الضوضاء عندك؟ وأنت يا سايمون، أجل إصلاح المصباح إلى وقت آخر، نحن نعلم أنك بارع في الميكانيك، لكن لا حاجة لاستعراض مواهبك الآن. ثم ارتدِ قميصًا يا رجل! لدينا فتيات معنا، ألا تخجل؟ رد جيمي ببرود: ـ كلامك لاذع كعادتك. أما سايمون فلم يرفع رأسه عن المصباح وهو يقول: ـ كلٌّ في بيته يا عزيزي، ولسنا تحت سلطتك هنا. أنت نائب رئيس مجلس الطلبة في المدرسة فقط، لا في حياتنا الخاصة. قطّب كريس حاجبيه وقال بحدة: ـ اسكت فحسب! تتظاهر بالرشاقة لتتباهى أمام الفتاتين، لكن لا أحد يكترث لك. جسدك نحيف، بطنك مسطحة، لكن عضلات؟ لا وجود لها. لست مثلي أنا وجاك. ابتسم سايمون ساخرًا: ـ بدأنا إذن بالإهانات؟ فقط لأنكما أطول مني ببضعة سنتيمترات، وأقوى قليلًا، تظنان أنني أقل شأنًا؟ الجميع يعرف أنني لا أُضاهى، والفتيات لا يستطعن مقاومتي أصلًا! وفجأة، نهض جيمي من مكانه حاملاً رضيعًا بين ذراعيه، يصرخ ويبكي بصوت عالٍ. رفع كريس حاجبه متفاجئًا وقال: ـ آه، إذن هذا مصدر الضوضاء عندك. قهقه سايمون قائلًا: ـ اتضح أنه أخوه الصغير! أبعدت نتاشا يديها عن وجهها، وقد خفت حمرة وجنتيها، وامتلأت ملامحها بالرقّة وهي تنظر إلى الطفل هامسة: ـ يا إلهي... إنه صغير جدًا، كم عمره؟ ابتسم جيمي وهو يحدّق في أخيه ثم أجابها: ـ شهر واحد. توقفت ماريا عن الأكل فجأة، وألصقت وجهها بالكاميرا وعيناها تلمعان بفضول طفولي: ـ أوووه! كم هو لطيف! جيمي، أحضره معك إلى المدرسة غدًا! قهقه سايمون: ـ فتاة غريبة! هل تظنينه سيجرؤ على إحضار رضيع إلى المدرسة؟ أومأ جيمي موافقًا: ـ صحيح، أمي ستقتلني إن فعلت. أما أنا، فبقيت صامتًا مبتسمًا، لكن ملامحي خفّت، وسرحت بذاكرتي... تذكرت يوم حملت أختي الصغيرة "تارا" للمرة الأولى. يومها عاد والداي من المستشفى، وأمي مرهقة من الولادة، تحملها بين ذراعيها. لم أتمالك نفسي، ركضت نحوهما، قلبي يكاد يقفز من مكانه. أمي ابتسمت وهي ترى لهفتي، ثم مدت إليّ الطفلة برفق، قائلة بصوتها الدافئ: ـ قل مرحبًا لأختك الصغيرة. حين احتضنتها بين ذراعي، وضعت رأسها الصغير على صدري، وهمست لها بجديّة وحنان: ـ مرحبًا بكِ يا أختي... لقد أتعبتِ أمنا كثيرًا، لكنني أعفو عنكِ. أنا جاك، أخوكِ الأكبر، ومن الآن فصاعدًا سأحميكِ مهما حدث. سنختلف كثيرًا، لكنني أعلم أن رابطنا سيكون أقوى من أي شيء. رأيت دمعة تلمع في عين أمي، ومسحتها وهي تضع يدها على قلبها، بينما أبي ربت على كتفها وقال لي: ـ اختر لها اسمًا، لقد تركنا هذا الشرف لك. حدقت فيها طويلًا، ثم ابتسمت هامسًا: ـ تارا... تارا أندرسون. ... استفقت من الذكرى على صراخٍ مدوٍ. والدة جيمي أمسكت أذن ابنها بعنف، تصيح به: ـ طلبت منك الاعتناء بأخيك دقيقة واحدة، فإذا بك تزيده بكاءً! وتعرضه للبيع كأنك في سوق! صرخ جيمي متألمًا وهو يحاول الإفلات: ـ أمي! كنت أمزح فقط! أردت أن أضحكه لكنه لا يضحك! سحبته أمه بعيدًا، وذراعيه ممدودتان نحو هاتفه: ـ مهلاً... وداعًا يا رفاق... هاتفي!! ثم سقط الهاتف وانقطع الاتصال. ضحك سايمون قائلًا: ـ مسكين! مع ذلك، وضعي أنا أسوأ! لكن قبل أن نرد، كان قد فرد منشفة على الأرض وصاح بحماسة: ـ شاهدوا الآن! سأريكم كيف يتزحلق المحترفون! سكب سائل الغسيل على المنشفة، ووقف فوقها، محاولًا الانزلاق. ثوانٍ معدودة حتى فقد توازنه وارتطم ظهره بالأرض بقوة. صرخ متألمًا: ـ آآآخ! ظهري! انفجر كريس ضاحكًا حتى دمعت عيناه، وضحكت نتاشا بخجل وهي تغطي فمها، أما ماريا فكادت تختنق بالعصير الذي تبصق جزءًا منه من شدة الضحك. أما أنا، فابتسمت فحسب. غضب سايمون، اقترب من الكاميرا وهو يصرخ: ـ أهذا ما تسمونه صداقة؟ تضحكون على ألمي؟! ثم تراجع، اتخذ وضعية قتالية، وصرخ موجهًا كلامه: ـ الآن سأريكم مهارات الكاراتيه خاصتي! نتاشا، أميلي رأسك قليلًا! وركل الهاتف بعنف، فانقطع الاتصال فجأة. ابتسمت جانبيًا وقلت ساخرًا: ـ سايمون... وحركاته. علّق كريس: ـ ذلك الأهوج... وما إن التقطنا أنفاسنا حتى قالت ماريا بحماسة: ـ انتظروا، حتى أنا سأريكم مهاراتي! صرخنا نحن الثلاثة في آن واحد: ـ لا يا ماريا! توقفي! رفعت حاجبها باستغراب، ثم عادت بهدوء إلى مكانها. تنفسنا الصعداء جميعًا، فقد عرفنا جميعًا عواقب "مهاراتها"، وتلك الدراجة التي حطمتها أصدق مثال. بقينا بعد ذلك نضحك ونتحدث معًا. كنا نحرص يوميًا على الاجتماع في مجموعتنا الخاصة، أحيانًا بالدردشة وأحيانًا بمكالمات الفيديو. قد يبدو السبب ظاهرًا هو صداقتنا القوية، لكن الحقيقة أعمق من ذلك... كان السبب نتاشا. هي لا تستطيع النوم بسهولة، تطاردها نوبات الهلع والهلوسات. بدأ كل شيء معها حين كانت في الحادية عشرة... كانت نتاشا في الحادية عشرة من عمرها، تلك الليلة التي لا تُمحى من ذاكرتها أبدًا. غرفة نوم والديها غارقة في دفء غريب، ضحكاتهم الصغيرة تتناثر في الأرجاء، وأصابع أمها تمسّد شعرها برفق، بينما والدها يروي لها حكاية قصيرة قبل النوم. بدا كل شيء آمنًا، هادئًا... سعيدًا. لكن الأقدار لا تمنح إنذارًا. صرير بابٍ يتسلّل في العتمة... صوت خافت لكنه كافٍ لتجميد الدماء في العروق. دخل رجل مقنّع، بملابس سوداء من رأسه إلى أخمص قدميه. توقفت عقارب الوقت، والعالم اختنق بلحظة واحدة. رفع يديه، وفي كل يد مسدس صامت. وفي الثانية نفسها... انطلقت الرصاصات. لم يكن هناك صراخ، ولا حتى فرصة لوداع. رصاصة اخترقت رأس الأم، وأخرى أسقطت الأب إلى جوارها. جثتان هامدتان في لحظة، والدفء الذي كان يملأ الغرفة تلاشى كأنه لم يكن. عينا نتاشا اتسعتا، ارتجف جسدها الصغير، لكنها لم تستطع حتى أن تصرخ. الدماء تناثرت على الملاءات البيضاء، والصدمة شلت لسانها. الرجل ألقى أحد مسدسيه على الأرض، ثم مد يده إلى جيبه، وأخرج مفتاحًا فضيًا. مفتاح تعرفه جيدًا. المفتاح الاحتياطي للمنزل... والمفترض أن لا يملكه سوى شخص واحد آخر. تجمّدت أنفاسها. هو... خالها. القناع أخفى ملامحه، لكن عينيه ظهرتا من خلال تمزق صغير. نظرة واحدة منه كفيلة أن تحرقها من الداخل. نظرة لم ولن تنساها ما حييت. رفع إصبعه إلى شفتيه، مشيرًا لها بالصمت، كأنّه يزرع في روحها تهديدًا أبديًا. ثم بدأ ينهب. فتح الأدراج والخزائن بعشوائية، جمع المجوهرات والذهب، حتى الخزنة المخفية خلف اللوحة التي لم يكن يعرف مكانها سوى المقربين جدًا... فتحها بسهولة، وكأنها ملكه منذ البداية. أما نتاشا، فبقيت جامدة، عيناها معلّقتان به، ترتجف حتى صارت لا تشعر بجسدها. دموعها سالت بصمت، قلبها يصرخ، لكن صوتها لم يخرج. أمامها جثتا والديها، وخالها – قاتلهما – ينهب ممتلكاتهما دون رحمة. ثم، بكل بساطة... غادر. كأن شيئًا لم يكن. لماذا لم يقتلها؟ سؤال ظل يطاردها سنوات. لكنه لم يتركها حيّة بدافع الرحمة... بل ليُبعد الشبهات عن نفسه. فلو ماتت هي أيضًا، لكانت التهمة واضحة. أما بتركها، فسوف يظن الجميع أنها مجرد عملية سرقة، وأنها الناجية الوحيدة. وبالفعل، هذا ما حدث. الشرطة لم تجد دليلًا، خاصة وقد ظهر خالها في كاميرات المطار وقت الحادث. لم يعلموا أنه يملك قوة الوهم، يخدع بها العيون لتراه حيث يشاء. وهكذا... أُغلقت القضية. والأدهى من ذلك، أُرسلت نتاشا لتعيش مع خالها نفسه، قاتل والديها. وفي صمتها، عاشت بين جدران بيته، وهي تعلم أنها تحيا في قفص الذئب. لكنها لم تنسَ. لم يمر وقت طويل حتى انفجر صبرها، وقررت أن تبوح بما رأته. لتسقط قناع خالها أمام الجميع، وتعيد الحق لوالديها. وبعد معركة طويلة، قُبض عليه، وعاد الخادم الأمين ليتولى رعايتها. خادم أحبها بصدق، حتى أنه تنازل عن كل نصيبه من الميراث ليمنحها إياه. لكن مهما حدث، تلك الليلة حفرت في أعماقها جرحًا لا يندمل. فالخيانة حين تأتي من الدم... تكون أثقل من الموت بقيت متأملًا، أنظر إلى نتاشا، ثم إلى كريس، وحتى سايمون... لكل واحد منا جراحه. كأن القدر جمعنا نحن الأربعة لنكون سندًا لبعضنا. وماريا... أيضا، لكن قصتها مختلفة تمامًا... بعد آنتهاء المكالمه خرجت من غرفتي متوجّهًا نحو غرفة تارا. أردت الاطمئنان عليها، التأكد من أنها نائمة وأنها لم تعد منزعجة مني. فتحت الباب بهدوء، لكن صدمتني المنظر أمامي… كانت تارا مستلقية على سريرها، تحتضن وسادتها بين ذراعيها، والدموع تملأ عينيها. هرعت إليها، وركبت على ركبتيّ أمامها، وقلت بقلق وارتباك لا أستطيع إخفاؤه في نبرة صوتي أو ملامحي: — تارا… يا إلهي… ما الخطب؟ هل أنتِ مريضة؟ هل يؤلمك شيء؟ هل يزعجك شيء؟ هل تحتاجين إلى أي شيء؟ كانت تارا تبكي بصوت خافت بالكاد يُسمع، لكن لحظة أن رأتني منحنياً أمامها، رمت الوسادة على الأرض، وألقت نفسها في حضني. احتضنتها بقوة، كأن ذراعيَّ درعٌ صلب لا ينكسر، وهمست في أذنها وأنا أمسح شعرها برفق: — أرجوك… أخبريني، ما الأمر؟ أجابت تارا بصوت متقطع مرتجف، بينما تشهق بين الحين والآخر: — أخي… لماذا ليس لدينا أب وأم؟ لماذا لا نعيش معهم…؟ ثم انفجرت بالبكاء أكثر وأكثر، وتابعت: — أمي ماتت في حادث… أبي تخلى عنا… رحل وتركنا… اشتدت قبضتي عليها، وقلت بصوت مملوء بالألم: — لقد حُرمنا من والدينا ونحن صغار جدًا… لم نستطع حتى أن نشبع منهم… نهضت معها من مكاني، واحتضنتها بقوة، ثم استلقينا معًا على سريرها. شعرت بقميصي وقد ابتل من دموعها، ودفنت وجهي في شعرها الناعم، وهي ترتجف بين ذراعيّ. شعرت بالعجز… لم أستطع تعويضها، لم أستطع ملء فراغ والدينا… كانت كل ما تبقى لي من عائلتي… أختي الصغيرة… بقينا هكذا حتى هدأت ونامت، ولكني لم أتحرك فورًا. بقيت هناك، أحتضنها بكل ما أوتيت من قوة. بعد ذلك، خرجت إلى الشاطئ، رغم أن الظلام حالك وقد تجاوز الوقت منتصف الليل، ولم يكن هناك أي شعور بالوحدة… جلست على الرمال، استنشقت رائحة البحر النقية، والهواء البارد يلامس وجهي. رفعت رأسي إلى السماء المرصعة بالنجوم، فهدأت نفسي… بلسم طبيعي لألم القلب وكثرة التفكير. أغمضت عيني، وذهبت بعقلي إلى عالم الخيال، عالم بلا ألم ولا معاناة… حيث كنت أنا وأمي على هذا الشاطئ منذ سنوات عديدة. كانت تفتح ذراعيها على مصراعيهما، وأنا أركض نحوها بفرح، أرفع يدي، أشعر وكأنني أحلق عالياً. ثم نلعب الكرة، ونضحك معًا… الشاطئ كان ملاذها المفضل، وعيونها تلمع مثل النجوم. أتذكر حتى عناقها لي، لو كنت أعلم حينها أنه العناق الأخير، لما تركت حضنها أبدًا… كنت لأكتفي به طول العمر. آه… أنا آسف، أمي… لم أستطع أن أجعل تارا سعيدة بالكامل… لقد وعدتك يومها، ولكنني لم أفي بوعدي على أكمل وجه… ما يجعل تارا حزينة أكثر هو أنها لم تعش أي لحظات مع والدينا، فهي لم تكن سوى في عمر شهرين عندما رحلوا… بينما أنا، كنت أتذكر كل التفاصيل عن أمي… وأبي… لم تكن لدي ذكريات كثيرة معه. كنت أقضي وقتًا أطول مع أمي، وكنت أفضلها دائمًا، ليس فقط بسبب غريزة طبيعية، بل بسبب عمق الحنان، الحب، والدعم الذي كانت تمنحه لي… أغمضت عيني، وأنا أردد في داخلي: — أمي… الآن إذا بكيت، لن تكوني هنا لتواسينني… لن تأتي لتلمسي وتمسحي دموعي… أنا الان وحدي… ثم لمحت خطوات خلفي… لم تكن مألوفة. استدرت، فوجدتها هناك، على مقربة مني، يديها خلف ظهرها، عينيها الواسعتان تلمعان بابتسامة مرحة، وملامحها المضيئة أكثر من ضوء القمر نفسه. كانت مرتدية تنورة خضراء قصيرة تصل إلى ركبتيها، وشعرها الطويل منسدل على كتفيها ونصف ظهرها، وابتسامتها تملأ المكان دفئًا. ابتسمت وقالت وهي تتقدم نحوي: — كنت أعلم أنني سأجدك هنا، يا فتى الشاطئ. رفعت حاجبي وقلت مبتسمًا: — وهل كنت تبحثين عني، يا فتاة البحر؟ نظرت إليّ بابتسامة، وقالت: — نعم… لقد كنت أبحث عنك، وها قد وجدتك، يا جاك. وضعت رأسها على كتفي، ونحن ننظر معًا إلى البحر، ثم أمسكت يدي وسحبتني نحو الماء، وبدأت حرب رمي المياه والضحك، مبللين تمامًا، وقلوبنا مليئة بالمرح… كانت تعرف ما بداخلي… فواستني بطريقتها، دون أن نقول أي كلمة. لم نكن بحاجة لأن نبوح بحزننا، لأنه يختفي بمجرد أن نكون معًا. وجدتني حقًا، يا ماري… عندما فقدت نفسي بعد موت أمي، كنتِ أنتِ من أعاد إليَّ نفسي… قد لا تدركين، ولكنك… سعادتي، قوتي، وملاذي الآمن.