هي أو العالم - الفصل 2: الجزء3 - بقلم MARINE | روايتك

اسم الرواية: هي أو العالم
المؤلف / الكاتب: MARINE
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 2: الجزء3

الفصل 2: الجزء3

في حصة الفلسفة، ساد صمت ثقيل يكاد يخنق الأنفاس. الجو كان قاتمًا كليلة بلا قمر، لا همس، لا حركة، حتى وقع الأنفاس بدا وكأنه إزعاج. المعلم روغر جلس متكئًا على مكتبه، ذراعيه معقودتان، ونظارته الصغيرة تنزلق حتى طرف أنفه. كان يرفع رأسه قليلًا بين الحين والآخر، ينظر إلينا جميعًا بعينين حادتين، نظرات غامضة لا يُفهم لها معنى، كأنها تخترق ما وراء وجوهنا. همس سايمون ضاحكًا بخفوت: – "هل نحن في مسابقة… من سيرمش أولًا؟" لكن ما إن أنهى جملته حتى نهض المعلم فجأة وضرب الطاولة بيديه بقوة هزّت المكان. ارتجف الجميع في مقاعدهم وكأن الأرض تزلزلت تحتنا. ثم رفع يديه ببطء، ضمّ أصابعه، وترك إصبعين فقط، وجّههما إلى عينيه، ثم صوبهما نحو سايمون وهو يهمس بصوت منخفض وبارد: – "أنا أراك… أسمعك… أراقبك." ابتلع سايمون ريقه بصعوبة، واللون فرّ من وجهه. بدأ المعلم يسير بخطوات بطيئة في أرجاء الفصل، يضع يديه خلف ظهره، عينيه تجولان بيننا كصياد يبحث عن فريسته. كان يتوقف أحيانًا عند أحد الطلّاب، يميل برأسه قرب وجوههم حتى كاد أن يلمس أنفاسهم. إحداهن ارتجف جسدها بالكامل، والدموع حبست في عينيها دون أن تجرؤ على النزول. ثم استدار فجأة نحو النافذة، وقف ينظر خارجها طويلًا بصمت كئيب. اقترب سايمون منّا، وهمس في آذان نتاشا وكريس وبي: – "يا رفاق… هل لدى أحدكم فلسفة مقنعة لحالة الأستاذ روغر؟" ابتسمت بخفة قبل أن أهمس: – "يبدو أن المنطق نفسه عجز عن تفسيره." وفجأة… استدار روغر بسرعة، تقدم إلى منتصف الفصل، أغمض عينيه ورفع إصبعه في الهواء، يحركه بدوائر بطيئة كأنه يرسم رمزًا غامضًا. بقينا نتابع حركته المشؤومة دقائق طويلة بدت دهورًا. ثم فتح عينيه فجأة، وجّه إصبعه نحونا نحن الأربعة. تقدّم بخطوات وئيدة حتى وقف أمام سايمون ونتاشا، ثم ثبّت إصبعه نحوها وقال بصوت مبحوح بالكاد يُسمع: – "قفي." ترددت نتاشا قليلًا، ثم وقفت بارتباك، عيناها تبحثان عن طوق نجاة. التقت نظراتنا، فابتسمتُ لها وربّتُّ على كتفيها بإيماءة خفيفة لأمنحها بعض الطمأنينة. تنفست نتاشا بصعوبة، تحاول السيطرة على ارتجافها، بينما كان روغر يبتعد بخطواته الثقيلة، يضع يديه خلف ظهره كالمعتاد. توقف أمام السبورة، ثم استدار إليها قائلاً: – "نتاشا… ما هو درس اليوم؟" تلعثمت: – "لكن… معلمي، أنت لم تخبرنا بعد عن الدرس." رفع إصبعه، أغلق أحد أصابعه بحركة غريبة وقال: – "درس اليوم… ما هو؟" – "أنا… لا أعلم." أنزل إصبعًا آخر ببطء، وعيناه مثبتتان عليها: – "هل تريدين تلميحًا؟… هل أخبرك بأول حرف؟" ابتلعت نتاشا ريقها، عجزت عن الإجابة. رفعتُ يدي بهدوء. رفع رأسه نحوي وقال بصوته الغامض: – "نعم يا سيد جاك… ما الخطب؟" وقفت بثبات، وقلت بهدوء حازم: – "هل يمكنني أن أجيب بدلًا من زميلتي نتاشا؟" التفتت الأنظار إليّ في لحظة، لكنني لم أكترث. كل ما أردته هو إنقاذ نتاشا من هذا الموقف الخانق. إنها ذكية، لكن التوتر يشتت عقلها دومًا. ظل الأستاذ ينظر إليّ طويلاً، ثم قال أخيرًا: – "لك ذلك." نظرت إليها بابتسامة قصيرة، جلست مجددًا وهي تتنفس بارتياح. أما روغر فبدأ يدور في أرجاء الفصل، من أمام الباب، إلى مكتبه، ثم يعود… مرة تلو أخرى. بدا كمريض نفسي أكثر منه أستاذًا للفلسفة. تمتم كريس: – "يشبه طبيبًا نفسيًا فاشلًا… لا معلم فلسفة." وفجأة توقف روغر وقال ببرود: – "درس اليوم… ببساطة… لا شيء. لأنه لا يوجد درس من الأساس. هذا كل شيء، يمكنكم الانصراف." تجمّد الجميع في أماكنهم. العيون اتسعت، الأفواه انفتحت من الصدمة. وقف روغر في منتصف القسم، يضع يديه خلف ظهره، يغلق عينيه ويرفع ذقنه كتمثال واثق من جنونه. تنهدت نتاشا بإحباط، كريس عقد ذراعيه غاضبًا، أما سايمون فقال بغيظ: – "هل يسخر منا هذا العجوز الخرف؟ إذا لم يكن هناك درس فلماذا أجبرنا على الحضور؟" رد كريس ساخرًا: – "إنه أكثر استفزازًا منك حتى يا سايمون." – "ومن قال إنني مستفز أصلًا؟" أجابه سايمون متصنعًا الجدية. أما أنا، فظللت واقفًا أبتسم ببرود، قبل أن أهمس في داخلي: "أقسم… لو لم يكن أستاذي، ولو لم أخشَ الطرد… لأمسكت هذا الكرسي وحطّمت به جمجمته الفلسفية تلك." في الممر الطويل، حيث يختلط صخب الطلاب مع صدى الخطوات على الأرضية اللامعة، كنت واقفًا متكئًا على خزانتي المعدنية كما أفعل دائمًا، بذراعين معقودتين وصدرٍ هادئ يخفي ما يجول في داخلي. إلى جانبي كان كريس، غارقًا كعادته في عالمه الخاص، سماعته في أذنه وإصبعه يطير فوق شاشة هاتفه بسرعة. كل دقيقة يرسل رسالة نصيّة لخطيبته، وأحيانًا يقطعها برسالة صوتية يغطيها بابتسامة نصف غامرة. أما أنا، فلم أكن من النوع الذي يتطفل أو يتجسس على أسرار الآخرين حتى لو كان ذلك صديقي الأقرب. كل ما فعلته هو أن أبقيت بصري متجهًا إلى الأمام، أراقب الممر بعين يقظة، كحارس يتأكد من أن لا أحد يتجاوز القواعد غير المكتوبة لهذا المكان. بعد أن تأكدت أن الأنظار بعيدة، أخرجت هاتفي ببطء. مررت إصبعي على الشاشة وأدخلت الرمز السري، لأفتح التطبيق الخاص بالمدرسة—تطبيق لا يملكه إلا أشخاص معدودون: الإدارة، بعض الأساتذة، مجلس الطلبة ورؤساء الفصول. كان التطبيق بمثابة عين خفية، متصلة بكل كاميرا موزعة في أرجاء المدرسة. انزلقت عيني بين الشاشات المتعددة، بحثًا عن شيء محدد... حتى توقفت عند المشهد الذي أردته. ارتسمت ابتسامة جانبية على وجهي بينما تمتمت في سخرية خافتة: "يظنون أن لا أحد يراهم..." رفع كريس رأسه عن هاتفه، حاجبه الأيمن مرفوع وعلامات الاستغراب تلوح على وجهه. – "عمن تتحدث؟" سأل بفضول. أغلقت هاتفي نصف ثانية ثم نظرت إليه بعين ثابتة وأجبت: – "مجموعة من أولاد الصف المجاور، السنة الثانية ثانوي... يلعبون بالنار الآن، يحاولون استخدام قواهم خلسة." كريس هز رأسه وضحك باستخفاف، ثم قال: – "هؤلاء الحمقى... لا يعرفون معنى الحظر، ولا يخافون من المرسوم أصلًا." تنهدت وأنا أعيد الهاتف إلى جيبي، نبرة صوتي هادئة لكنها حاسمة: – "سوف أذهب عندهم." أمسك كريس بذراعي فجأة، مانعًا خطوتي قبل أن أبتعد، وأنزل سماعته من أذنه تاركًا إياها متدلية على رقبته. رمقني بابتسامة خفيفة وقال بثقة: ــ "أنا سأتولى أمرهم." ثم غمز بعينه وضرب كتفه بكتفي بخفة، وأضاف بنبرة مرحة تحمل بين طياتها تلميحًا واضحًا: ــ "أنت دائمًا تراقب الأوضاع من هنا، يا رئيس... والفتاة ماريا غالبًا ما تمر من هذه الجهة. لا تضيّع لحظتك الثمينة من أجل حفنة مغفلين يخرقون القوانين." ترددت لوهلة، ثم تمتمت بهدوء وصوتي يخفت شيئًا فشيئًا، كأنني أعترف بشيء لطالما أخفيته: ــ "ولكن... هذا واجبي." خفضت بصري نحو الأرض، وتبددت ملامحي الجادة لتحل محلها غلالة من الاضطراب. وضعت يدي على صدري، أستشعر خفقات قلبي المتسارعة، قبل أن أتنفس بعمق وأهمس: ــ "لا يمكنني التهاون عن واجبي... حتى من أجل لحظة عابرة يتوق إليها قلبي، في كل مرة أنتظر مرورها من جانبي... لأحظى بكلمة واحدة، ولو لدقيقة." ابتسم كريس ابتسامة أدفأ من المعتاد، ثم وضع يده على كتفي وضغط عليها برفق: ــ "أعرف يا صديقي... أعرف أنك لا تحب تضييع الفرص، خاصة إن كانت تخصها." تقدمت الكلمات إلى شفتي، لكنني لم أنطق سوى: ــ "ولكن..." فقاطعني وهو يستدير بخطوة واثقة، يلوّح بيده: ــ "لا يوجد أجمل من رؤية مَن مفضل قلبك حولك. وأنا... لأنني لا أعيش هذا الشعور دومًا مع خطيبتي، فأنا أقدّره جدًا. لذا، لا تقل ولكن... فقط ابقَ مكانك." ثم انطلق راكضًا بعيدًا، تاركًا ظهري وراءه، بينما ظللت واقفًا أتبعه بعيني. تسللت ابتسامة ممتنّة إلى وجهي، وتمتمت في داخلي: ــ "شكرًا على تفهمك... يا رفيقي." فجأة دوّى صوت من خلفي، فالتفت سريعًا، فإذا بسايمون قادم نحوي بخطوات متعثّرة، يرتدي زيّ كرة القدم، وركضه المتسارع يشي بأنه أفلت للتو من مطاردة لا تنتهي. توقف أمامي أخيرًا، منكفئًا قليلًا إلى الأمام، يضع يده على الخزانة ليستند إليها، وصدره يعلو ويهبط وهو يلهث بعمق. رفعت حاجبي بدهشة وأنا أحدّق فيه، ثم قلت ساخرًا بعض الشيء: "ما خطبك؟ تبدو وكأنك خرجت للتو من سباق ماراثون عالمي." حاول سايمون أن يضحك وسط أنفاسه المتقطّعة، لكن كل ما خرج منه كان شهقة طويلة، جعلتني أزداد قلقًا. تقدمت نحوه خطوة وقلت بجدية: "هل أنت بخير؟ هل تريدني أن آخذك إلى الطبيبة ساندي؟" رفع رأسه أخيرًا، وابتسامة ماكرة ارتسمت على شفتيه رغم تعبه: "آه… كم أودّ حقًا الذهاب إلى تلك الفاتنة، لكن للأسف… القدر كان ضدي. مدربي طويل الأنف ذاك أرسلني لأحضر كريس، لأن أستاذ الموسيقى يسأل عنه." ثم مرر سايمون كف يده على جبينه المبتل بالعرق، وتابع وهو يقطّب حاجبيه باستياء: "لكن عندما تجرأت ورفضت، عاقبني بثلاثين دورة كاملة حول ذلك الملعب الذي لا ينتهي! يا رجل، لقد رأيت الموت بعيني هناك." انفجرت ضاحكًا رغم محاولتي التماسك: "يا له من حظ عاثر، يا صاح." أطلق سايمون زفرة طويلة وهو يلوّح بيده كمن يطرد غيمة سوداء أمام وجهه: "أقسم أنني لا أفهم ما خطب هؤلاء الأساتذة معي! إنهم أغرب الأطوار الذين عرفتهم في حياتي. وحتى بدون قواهم، يشكّلون مصيبة حقيقية… فماذا لو استعملوها؟ عندها فقط سنشهد كارثة!" ظل صامتًا لحظة يتنفس بعمق، ثم أدار نظره نحوي وقال بتذمر: "على كل حال، أين اختفى ذلك المعتوه كريس؟ أليس من المفترض أن يكون بجانبك؟" ارتسمت على شفتي ابتسامة هادئة، وقلت بصوت منخفض الوَقع: "لقد صعد إلى السطح… كان عليه أن يتولى أمر بضعة شبان هناك. سأذهب لأستدعيه."