رمز اللانهاية ♾️♾️
---
حين التفتّ نحو الصوت، تجمدت قدماي. كان إيثان، واقفًا وسط الزحام الشاحب، عيونه اللامعة تحمل دموعًا لم أرها من قبل. لم أصدق نفسي، اندفعت نحوه كالمجنون، عانقته بكل قوة، وصرخة خرجت مني دون وعي:
"إيثان… أنت حي!"
ابتسم ابتسامة منهكة، ثم وضع يده على كتفي وقال بصوت متحشرج:
"حيّ… لكن ليس كما تعتقد يا جاكس."
جلسنا جانبًا، والجموع التي بلا عدّادات كانت تنظر إلينا بعيون خاوية. همس لي إيثان بصوت يرتجف:
"العداد مجرد خدعة. الحاكم الأبيض سرق طاقة الناس ليمد نفسه بالحياة، وجعل العدّادات وسيلة لابتلاع أعمارهم خوفًا بعد خوف. هو يمد أتباعه بهذه الطاقة ليبقوا إلى جواره، فإذا مات… سيموتون معه، ويختفي النظام كله."
شعرت بالبرد يسري في عروقي. سألته بصوت متقطع:
"ولهذا لم ينقص عدّاده؟"
أومأ بثبات وقال:
"بالضبط. انه يستغل الناس عن طريق العداد لكي يظل خالدا."
لم أجد جوابًا، لكنني شعرت بأن كلماته استقرت في داخلي كقدر لا مهرب منه. اتخذنا القرار معًا: سنتسلل إلى المحكمة البيضاء ونواجهه.
في الليل، شققنا طريقنا عبر الأزقة المظلمة، المدينة بدت كأنها تحبس أنفاسها، تنتظر شيئًا جللاً. تسللنا من جدار خلفي متصدع، لم يكن الحرس هناك، كأنهم هربوا من قوة خفية. داخل القاعة الكبرى رأيناه. كان الحاكم جالسًا على عرش أبيض يشع نورًا باردًا، جسده هزيل لكن عينيه تحملان قسوة الأبد. خلفه آلاف العدّادات المعلقة، تتوهج كأنها قلوب تنبض ، رمقنا بخبث ..حتى صرخ إيثان بصوت مبحوح: "كفى خداعًا أيها الطاغية!"
ارتسمت ابتسامة شريرة على وجهه، صوته كان كالسكاكين وهو يقول:
"أنتم مجرد شرارة صغيرة… وأنا النار الأبدية."
انقض الحرس، لكننا قاتلناهم حتى أرهقنا أنفاسنا. كان إيثان يقاتل بجنون، كل ضربة كأنه يصب فيها ما تبقى من عمره. أما أنا، فقد شعرت بتلك القوة الغامضة تتأجج داخلي، الهالة نفسها التي حمتني من قبل.
وفي اللحظة التي كدنا نلمس النصر فيها، اندفع إيثان نحو الحاكم مباشرة، عازمًا أن ينهيه بضربة أخيرة. لكن الحاكم أسرع، غرز يده في صدره. توقّف الزمن.
صرخة إيثان اخترقت القاعة. رأيته ينحني بين ذراعي، دمه يتساقط على الأرض البيضاء كأنه يلطخها بالحق ، تمسك بي بيد مرتعشة وهمس بصوت مكسور:
"جاكس… أنت… من سينهيه… لا أنا."
شعرت بالعجز يمزقني، الجمت الصدمة لساني . احتضنته وأنا أصرخ داخليًا، لكن دموعي لم تخرج. الألم كان أعمق من الدموع، كان كأن قلبي يُنتزع ببطء.
حين سقط إيثان بلا حراك، انفجرت الهالة من جسدي. شعرت بأصوات لا تُحصى داخلي، صرخات كل من ابتلعهم النظام، كل من عانوا. اندفعت موجة زرقاء هائلة مني، حطمت العرش الأبيض، مزقت جسد الحاكم حتى تبخر كرماد في الهواء. أتباعه صرخوا واحدًا تلو الآخر قبل أن يسقطوا بلا حياة، ومع موتهم اختفت العدّادات من على الجدران ثم تلاشت المحكمة نفسها، كأنها لم تكن موجودة يومًا.
خرج الناس من الظلام، تحرروا، عادوا إلى حياتهم، و تذكروا أحبابهم المختفيين ، لكن وسط كل ذلك رأيت امرأة تهرع بجنون بين الجموع، تنادي باسم ابنها. كانت أم إيثان. حين وصلت ورأت وجهه البارد بين ذراعي، انهارت أرضًا، شهقت ثم بكت بصوت يمزق القلب. كان بكاؤها أقسى من كل ما مررت به. صرخت باسمه مرارًا، كأنها تحاول أن تعيده من الموت. حاولت أن أواسيها، لكن يدي كانت ترتعش وعيني لم تحتمل المشهد.
تراجعت بعيدًا، أجلس وحيدًا بينما الناس يحتفلون بالحرية. العدّادات اختفت من أذرع الجميع، وصارت المدينة بلا قيود. لكنني لم أشعر بالانتصار، لم أشعر بشيء سوى فراغ ثقيل وحزن يقتلني.
رفعت يدي أنظر إليها. لم يكن هناك عدّاد. لكن بدلاً منه ظهر رمز غريب، يتوهج كالنار، رمز اللانهاية.
شعرت برعب لا يشبه أي شيء. لم أفهم معناه، لم أعرف لماذا أنا وحدي أُعطي هذا الرمز. نظرت إليه، والدموع التي لم أبكها من أجل إيثان تساقطت أخيرًا.
وفي داخلي سؤال يتردد بلا إجابة: هل حقًا انتهى كل شيء… أم أن هذا مجرد بداية أخرى؟
يتبع ـــ