خلف الجدار الابيض
كانت المحكمة البيضاء دائمًا أكثر مكان يثير رهبة في المدينة.
كلما مررت بجوارها شعرت كأن المبنى ينظر إليك، يراقب أنفاسك، مستعدّ أن يسلبك ما تبقى من أرقامك إن فكرت في التمرد.
لكن تلك الليلة… لم يكن لدي خيار سوى أن أقترب.
ارتديت معطفًا داكنًا، سلكت الأزقة الخلفية حتى وصلت إلى الجدار الشرقي للمبنى.
هناك، حيث لا يجرؤ الناس حتى على رفع رؤوسهم.
---
أخرجت بطاقة هوية قديمة سرقتها من أرشيف الأكاديمية.
لم تكن كافية لتفتح البوابة الإلكترونية، لكنها خدعت الكاميرات بما يكفي لتجعلني مجرد "ظل عابر".
تقدمت عبر الممر الطويل، كل جدار أبيض يشع ضوءًا بارداً كأنه لا يقبل أي بقعة ظلام.
كل خطوة داخله كانت كأنها تغوص في صدر وحش نائم.
---
توقفت أمام قاعة مغلقة.
لا لافتة، لا حراس… مجرد باب معدني ثقيل.
وضعت يدي على اللوحة الجانبية، لكن بدل أن ترفض دخولي، فتحت بصوت خافت.
كأن أحدًا… أراد لي أن أدخل.
---
الداخل لم يكن مثل القاعات المضيئة.
بل غرفة صغيرة مظلمة، جدرانها مغطاة بشاشات تعرض أرقامًا تتحرك باستمرار.
عدادات… آلاف منها.
كلها متصلة بمركز واحد في المنتصف، جهاز ضخم ينبض بضوء أزرق.
اقتربت، قلبي يكاد ينفجر.
وعند حافة الجهاز، وجدت ملفًا ورقيًا صغيرًا، بعكس كل التكنولوجيا المحيطة.
فتحت الصفحات.
أسماء… تواريخ… وأمام كل اسم كلمة واحدة بخط أحمر:
"محو."
---
تجمدت عيناي على سطر بعينه.
الاسم كان واضحًا جدًا: إيثان .
الرقم بجانبه: صفر.
وتاريخ المحو… نفس اليوم الذي رأيته يختفي فيه.
---
شعرت بارتعاشة تجتاح جسدي.
لم أكن مجنونًا. لم أكن أتخيل.
هنا، في قلب المحكمة البيضاء، يوجد سجلّ رسمي يثبت أن صديقي كان موجودًا… وأنه مُحي عمدًا.
لكن قبل أن ألتقط أنفاسي، دوى صوت ميكانيكي خلفي:
– "الوصول غير مصرح به."
التفت، فرأيت الضوء الأحمر يشتعل في الممر.
الحراس الإلكترونيون قادمون.
أغلقت الملف بسرعة، خبأته داخل معطفي… وبدأت أركض.
---