أثر في العدم
عدت إلى منزلي تلك الليلة، لكنني لم أستطع النوم.
اسم واحد ظل يتردد في رأسي، كأن كل خلية في جسدي تحفظه: اماندا.
من هي؟ كيف عرفت اسمي؟ ولماذا بلا عداد؟
كلما حاولت التفكير في الموضوع أكثر، شعرت أن الأرقام على معصمي تهتز وتلمع بحدة، كأنها تحذرني.
لكنني لم أعد أخاف من الأرقام. الخوف الحقيقي هو الجهل.
---
مع شروق الشمس، خرجت من البيت متوجهًا نحو الأرشيف المركزي للمدينة.
مبنى ضخم بواجهات معدنية، كل من يدخل إليه يترك بصمة عدّاده على البوابة.
بدأت بالبحث في السجلات العامة. كتبت كلمة:
"المحو".
النتيجة: صفر.
كأن الكلمة لا وجود لها أصلًا.
بحثت بكلمات أخرى: اختفاء، اختلال، الصفر.
لكن النتائج كانت مشوهة، صفحات محذوفة، جداول ناقصة.
كل ما وجدته كان مجرد إشارات مبعثرة، وكأن أحدًا حرص على محو كل ما يخص الظاهرة.
---
في المساء، عدت إلى مقعدي المعتاد في الأكاديمية.
حولنا، الطلاب يناقشون الأبحاث والمشاريع، يضحكون بأرقامهم المضيئة على معاصمهم.
أما أنا، فكنت أدوّن ملاحظاتي بخط صغير في دفتري:
– الأشخاص المحوّون يُمحون من السجلات.
– لا أحد يتذكرهم… إلا أنا.
– الفتاة "اماندا" بلا عداد.
– الحاكم ربما يعرف سر هذا ؟
وبينما كنت أكتب، لاحظت شيئًا غريبًا.
قلمي توقف عند اسم "إيثان"، لكن الورق بقي فارغًا.
الكلمة لم تُكتب. كأن الحبر نفسه رفض الاعتراف بوجوده.
---
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
ليس السجلات فقط… حتى الأشياء الجامدة تُمحى.
لكن لماذا ما زال عقلي يقاوم؟ لماذا أنا مختلف؟
رفعت نظري إلى النافذة.
في السماء البعيدة، ظهرت وميضًا أزرق خافتًا، كبرق صامت.
شعرت بقلبي يخفق بعنف.
هناك قوة خفية خلف هذا كله.
وإذا أردت أن أكتشفها… فعليّ أن أبدأ من الداخل.
من قلب المحكمة البيضاء.
---