العداد
كانوا يقولون دائمًا: "أنت لست إنسانًا… أنت مجرد رقم."
منذ لحظة الولادة، يولد كل طفل في مدينة العدّاد وعلى ذراعه وشم مضيء، عدّاد رقمي لا يرحم.
يزيد عندما تقول الحقيقة، عندما تكشف سرًّا، أو عندما تساهم في خدمة الآخرين.
وينقص عندما تكذب، تخون، أو تخفي ما تعرفه.
وحين يصل إلى الصفر… يختفي صاحبه. ليس موتًا عاديًا، بل اختفاء تام، يذوب الجسد في الهواء وكأنك لم توجد أصلًا. والأسوأ… أن كل من حولك ينسونك. اسمك، وجهك، ذكرياتك، وكأنك لم تُولد قط.
اسمي جاكس، شاب في الثالثة والعشرين من عمري.
عدّادي الآن يشير إلى 732 فقط. رقم صغير جدًا في مدينة مثل مدينتنا.
هنا، من يملك أكثر من عشرة آلاف يُعتبر من علية القوم، يعيش في أبراج شاهقة ويتحكم في مصائر الناس. أما من يملك أقل من ألف مثلي، فهو يعيش في خوف دائم، يترقب اللحظة التي يتحول فيها إلى صفر.
أكثر ما يؤلمني أنني لا أحتاج إلى ارتكاب جريمة كي أفقد نقاطًا.
يكفي أن أكذب كذبة صغيرة لأحمي نفسي… أو أن أخفي حقيقة بسيطة كي ينهار عدّادي بسرعة.
كأن العدّاد ليس مجرد أداة للحساب… بل قيد يلتف حول عنقك يومًا بعد يوم.
أتذكر جيدًا أول مرة رأيت شخصًا يختفي. كان ذلك منذ سبع سنوات، عندما كنت مراهقًا.
جارنا العجوز مايكل جلس أمام منزله، يراقب رقمه يقترب من النهاية.
عندما وصل عدّاده إلى الصفر، لم يسقط أرضًا ولم يصرخ. جسده تبخر ببساطة، كدخان يتلاشى في الريح.
وفي اليوم التالي… لم يتحدث أحد عنه. كأن مايكل لم يكن يومًا جارًا لنا. حتى أمه المسنّة أنكرت أنها أنجبته.
حينها فهمت الحقيقة البشعة:
العدّاد لا يمحو الأجساد فقط… بل يمحو الذكريات أيضًا.
منذ ذلك اليوم، لم يعد الخوف يفارقني. صرت أستيقظ كل صباح وأنا أحدّق في الأرقام المضيئة على ذراعي، أراقبها كما يراقب السجين ساعة إعدامه.
أحيانًا أسأل نفسي:
هل نحن بشر حقًا؟ أم مجرد أرقام تنتظر أن تُمحى؟
---