دموع خلف الستار
الستار العتيق كان يتهدّل من السقف كأنه شاهد على ألف حكاية، يخفي خلفه أسرارًا ودموعًا لم يجرؤ أصحابها يومًا على البوح بها. المكان صامت إلا من صوت عقارب ساعة قديمة معلّقة على الجدار، تُذكّر كل من دخل القاعة أن الزمن لا يرحم أحدًا.
وقفت ليلى في منتصف المسرح، ترتدي معطفًا أسود طويلًا، كأنها تحتمي به من برد الذكريات أكثر من برد الليل. كانت عيناها تلمعان بدموعٍ متحجرة، دموعٌ تعاند السقوط أمام الآخرين، لكنها في الداخل كانت تنهمر كسيلٍ جارف. مدّت يدها ولمست خشبة المسرح، نفس المكان الذي وقفت فيه يوم صدّقت أن الأحلام يمكن أن تتحقق، ويوم صدّقت أن كريم سيكون سندها إلى الأبد.
دخل كريم بخطواتٍ مترددة، عيناه تبحثان عنها كغريق يبحث عن شاطئ. كان صوته مبحوحًا من ثقل الندم، لكنه أجبر نفسه على الكلام:
– "ليلى... مضت سنوات، لكنني ما زلتُ واقفًا عند نفس اللحظة التي تركتكِ فيها."
لم تلتفت. بقيت تنظر إلى المقاعد الفارغة، وكأنها تخاطب أشباح الماضي:
– "تركتني؟ لا يا كريم... أنت لم تتركني فقط، أنت أسقطتني من بين يديك وكأنني لا شيء."
شعر قلبه ينزف، أراد أن يقترب، أن يمد يده ليمسح عنها هذا الألم الذي أشعله هو بنفسه. لكنه حين خطا نحوها خطوة، ابتعدت خطوتين. كانت المسافة بينهما أكبر من مجرد أمتار قليلة، كانت مسافة عمرٍ من الخيبات.
قال بصوتٍ متوسل:
– "كنتُ ضعيفًا... لم أستطع مواجهة الظروف... لم أعرف كيف أتمسك بكِ وسط العاصفة."
أدارَت وجهها إليه لأول مرة، عيناها غارقتان ببحرٍ من الدموع المكبوتة:
– "الضعف؟ أتدري ما هو الضعف يا كريم؟ الضعف أن ترى من يحبك ينهار أمامك، فتقف متفرجًا. الضعف أن تتركني أصرخ خلف الستار بينما أنت تختبئ خلف صمتك."
سقطت دمعة، هذه المرة لم تخفها. انزلقت على وجنتها كخيانةٍ صامتة، فضحت قلبها الذي حاول طويلًا أن يبدو قويًا.
اقترب أكثر، صوته مكسور:
– "أعطني فرصة، فقط فرصة واحدة... أعدك أنني سأعيد كل شيء كما كان."
ابتسمت ابتسامة موجوعة، وقالت وهي تشيح بوجهها:
– "لا، كريم... الفرص ليست أبدية. الحب إن سقط مرة، لا يعود كما كان. أنت لم تفقدني حين رحلت... بل فقدتني حين تركتني أنزف وحدي، خلف هذا الستار."
وبينما هو يمد يده بارتباك، سحبت هي يدها وأدارت ظهرها ببطء. كانت خطواتها نحو باب الخروج كصفعات متتالية على قلبه. ومع كل خطوة، كان يشعر أن المسرح ينهار من حوله، وأن الستار الذي حجب دموعها قد أُسدل أخيرًا، لكن لا عودة بعده.