عودة الغائب
لم يكن الليل مثل كل الليالي، بدا كأنّ الأرض نفسها تكتم أنفاسها في انتظار شيءٍ جلل.
أيلول تجمدت مكانها، تحدق من خلف النافذة إلى ذلك الرجل الغامض. الظلال لم تخفِ ملامحه تمامًا، لكن عينيه كانتا كافيتين ليقلبا كيانها رأسًا على عقب.
ارتجفت، والتفتت نحو أمها:
ـ "أمي… قولي لي الحقيقة الآن! من هذا الرجل؟!"
الأم لم تستطع أن ترد، شفتاها تحركتا دون صوت، ودموعها انهمرت فجأة كأنّها استسلمت لحقيقة أثقلتها طويلًا.
وفي لحظة، انفتح الباب الخشبي بقوة، ودخل الرجل بخطواتٍ ثابتة، صوته غليظ لكنه مألوف:
ـ "أيلول… كبرتِ."
ارتعد قلبها. الكلمة الواحدة التي نطقها حملت بين حروفها عشرين عامًا من الغياب والخذلان. نظرت إليه بذهول، بينما أمها نهضت ببطء، وجهها شاحب، وصوتها يختنق:
ـ "لماذا عدت؟! ألم يكفك ما فعلته بنا؟!"
ضحك الرجل ضحكة قصيرة مكسورة، وقال:
ـ "لم أعد من أجلك… بل من أجلها."
وأشار إلى أيلول.
كادت أن تسقط أرضًا، لكنّها تماسكت:
ـ "أنت… أبي؟"
اقترب منها بخطوة، عيناه تلمعان بندمٍ غريب:
ـ "نعم، أنا من تركتكِ بلا وداع. أنا من عشتِ عمرك كله تظنينه ميتًا."
صرخت الأم وهي تضع نفسها أمام أيلول:
ـ "لا تقترب منها! أنت لا تعرف ماذا فعل غيابك بها، ماذا فعلتَ بنا جميعًا!"
تقدمت أيلول خطوة واحدة للأمام، الدموع تغطي عينيها، لكن قلبها كان يحترق أكثر من أن يتراجع:
ـ "أريد أن أعرف الحقيقة منك أنت. لماذا تركتني؟ لماذا جعلتني أعيش كالميتة دون أب؟!"
ساد صمت ثقيل، ثم جلس الرجل على الكرسي الخشبي، يضع يديه على رأسه:
ـ "تركتكِ لأنني لم أكن رجلًا يستحق أن أكون أبًا. كنتُ غارقًا في ظلمٍ وخطايا. يوم رحلت، كنتُ أهرب من نفسي، من ذنوبي، من كل شيء… لكن صورتك لم تفارقني لحظة."
انهارت أيلول تبكي بصوتٍ عالٍ، دموعها تمزق قلب أمها التي لم تعرف هل تكره هذا الرجل لأنه عاد، أم تكرهه لأنه ما زال قادرًا على أن يحرك قلب ابنتها بكلمة.
اقترب الأب منها ومد يده:
ـ "أعطني فرصة… لا أريد أن أموت هذه المرة بعيدًا عنك."
رفعت أيلول رأسها، نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بصوت مبحوح:
ـ "الفرص تُمنح للأحياء… لكن أنت بالنسبة لي، ميت منذ زمن."
انكسر صوته وهو يهمس:
ـ "إذن، امنحيني جنازة تليق بي."
وتساقطت دموعه لأول مرة، دموع رجل لم يعرف البكاء إلا متأخرًا.
أما أيلول، فوقفت بين الاثنين ـ الأم التي خبأت الحقيقة خوفًا عليها، والأب الذي عاد مثقلًا بندمٍ لا يمحى. وشعرت أن حياتها كلها صارت على مفترق طرق، حيث لا رجعة بعد الليلة.