طفولة من رماد - بين صرخات الصمت - بقلم Nour - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: طفولة من رماد
المؤلف / الكاتب: Nour
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: بين صرخات الصمت

بين صرخات الصمت

الليل كان أطول من المعتاد، كأنه يرفض أن يترك مكانه للفجر. في غرفة ضيقة بالكاد تتسع لسرير خشبي قديم ونافذة مكسورة، جلست إليف وحيدة. كل من حولها كانوا نائمين، لكن عينيها كانتا مشدودتين إلى سقف الغرفة، كأنها تبحث فيه عن مخرجٍ من هذا الحزن الذي ينهشها. مرت أشهر منذ رحيل والدها، لكن الزمن لم يكن شافيًا كما يقولون. على العكس، الجرح ازداد عمقًا، والذكريات صارت أكثر قسوة. صوت ضحكته، صورة يده الملطخة بالتراب حين كان يعود من الحقل، وحتى صدى خطواته في أرجاء البيت... كل شيء يلاحقها، يصرخ في أذنها بلا توقف. نهضت ببطء، واقتربت من النافذة، فتحتها رغم برد الشتاء الذي تسلل إلى جسدها، وكأنها تتعمد أن تتألم أكثر، ربما لأن الألم الخارجي أهون من الداخلي. رفعت رأسها نحو السماء، همست بصوت مبحوح: – "أبي... لماذا تركتني؟ لماذا كل شيء ينهار وأنا ما زلت صغيرة على هذا الثقل؟" الريح ردّت عليها بعصفٍ أقوى، كأنها تحمل صرخاتها بعيدًا. لكن قلبها لم يهدأ. انزلقت دموعها على وجنتيها، واحدة تلو الأخرى، حتى غابت ملامحها خلف الضباب. في هذه اللحظة، سمعت صوت خطوات خفيفة تقترب. كان قادر، الرجل الذي لطالما رأته قاسيًا، والذي تظن أنه لا يعرف الرحمة. فتح الباب ببطء، ونظر إليها دون كلمة. ارتجفت، فخفضت عينيها، لكن المفاجأة كانت في صوته: – "الحزن لا يختفي بالهروب منه يا إليف. لكنه قد يتحول إلى قوة إذا عرفتِ كيف تحمليه." كلماته نزلت عليها مثل صاعقة. هل من الممكن أن يكون لهذا الرجل القاسي وجه آخر؟ هل يحمل في داخله ألمًا يشبه ألمها؟ لكنها لم تجب. اكتفت بالعودة إلى السرير، بينما قلبها ينبض بعنف، وعقلها يغرق بين الشك والخوف والدهشة. في تلك الليلة، لم تنم إليف، بل ظلت تفكر: هل القدر يهيئ لها بداية جديدة؟ أم أنه يخطط لامتحان أشد قسوة مما مرت به؟