طريق بالا عودة
في صباحٍ بارد، كانت الضبابية تكسو القرية وكأن الطبيعة نفسها ترفض الإفصاح عمّا سيأتي. جلست إيزة على عتبة بيت جدتها، تحتضن نفسها، بينما قلبها مثقل بأفكار متشابكة. لم يعد الماضي فقط ما يطاردها، بل المستقبل الغامض أيضًا. لقد أدركت أن حياتها لن تكون أبدًا كما كانت، وأن ما حدث في الأيام الأخيرة كان بداية طريقٍ جديد، طريق لا رجعة فيه.
دخلت الجدة كافيه، تحمل بيديها إبريق شاي ساخن، ونظرت إلى حفيدتها نظرة مليئة بالحزن والصلابة:
– "ابنتي، لا يوجد طريق للعودة، لا تفكري بأنك ستعودين كما كنتِ. أنتِ الآن امرأة تخوض حربها الخاصة، والحرب يا إيزة لا ترحم الضعفاء."
أطرقت إيزة برأسها وهي تفكر بكلمات جدتها. نعم… لم تعد تلك الفتاة الخائفة التي كانت تسكت على ظلم عمّها وزوجته، أو تتوسل لعطف هارون. لقد تغيّرت. أصبحت ترى بوضوح من هم أعداؤها ومن هم من يقفون بجانبها.
لكن هارون لم يكن ليتوقف بسهولة. كان في ذلك الصباح يخطط خطوة جديدة. في مكتبه المظلم، جلس على كرسيه وهو يراجع أوراق الميراث والصفقات. ابتسم ابتسامة خبيثة وهو يقول في نفسه:
– "لن تفلت يا إيزة… لن أتركك تختارين علي دمير عليّ. أنتِ لي، شئتِ أم أبيتِ."
في هذه الأثناء، كان علي دمير يحاول جاهدًا أن يُظهر لإيزة أن حياتها يمكن أن تكون مختلفة. أخذها في جولة إلى الأراضي الزراعية التي يملكها، أراد أن يريها أن العمل الشريف يصنع الإنسان الحر، وأنها تستطيع أن تبني حياتها بعيدًا عن مؤامرات هارون وشر عمّها.
قال لها وهو يشير إلى الحقول:
– "شوفي يا إيزة… هذه الأرض بتتعب، لكنها بتعطي ثمر. الإنسان لما يزرع بإيده، ما حدا يقدر ياخد تعبه منه. انتي كمان قادرة تبني حياتك زي الأرض هاي، بصبر وإصرار."
شعرت إيزة بارتياح داخلي لأول مرة منذ زمن طويل، لكنها في نفس الوقت كانت خائفة. فهي تعلم أن هارون لن يتركها وشأنها، وأن عمّها سيواصل الضغط عليها.
وفي المساء، بينما كانت تستعد للنوم، سمعت طرقًا عنيفًا على الباب. فتحت الجدة الباب، لتجد رجلًا غريبًا يسلّمها رسالة مكتوبة بخطٍ متوتر. قرأتها إيزة بلهفة، وإذا بها رسالة تهديد:
"إيزة… إن لم تعودي غدًا إلى البيت وتقبلي بالزواج من هارون، ستدفع جدتك الثمن."
ارتجفت يداها وسقطت الرسالة من بين أصابعها. نظرت إلى جدتها بعيون دامعة وقالت:
– "تيته… بدهم يأذوك عشاني!"
فابتسمت الجدة رغم الخوف الذي حاولت إخفاءه:
– "لا يا ابنتي، لا تسمحي لهم يكسروا قلبك. أنا كبيرة، حياتي وراي. لكن انتِ… حياتك قدامك. لا تخضعي، حتى لو هددوني بيّ."
كان الليل طويلًا، وداخل قلب إيزة صراع عنيف. أيّ طريق ستسلك؟ طريق الاستسلام الذي يضمن سلامة جدتها مؤقتًا، أم طريق المقاومة الذي قد يقود إلى خسارات موجعة، لكنه وحده الطريق الذي يضمن كرامتها؟
وفي عمق الليل، همست لنفسها وهي تحدّق في الظلام:
– "لا رجوع بعد اليوم… حتى لو كان الثمن حياتي."
ومن هنا بدأت الخطوة الأولى في طريق بلا عودة…