طفولة من رماد - الصرخة الثانية - بقلم Nour - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: طفولة من رماد
المؤلف / الكاتب: Nour
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الصرخة الثانية

الصرخة الثانية

السبورة ما زالت تحمل كلمات جارحة: "اليتيمة القوية... مجرد كذبة!". وقفت إيزة تحدّق في الحروف البيضاء، كأنها سهام اخترقت صدرها. أحست للحظة أن كل خطواتها السابقة، كل جرأتها وصوتها العالي، تبخّرت في لحظة. عادت إليها صورة طفولتها وهي تبكي في زاوية البيت القديم بعد رحيل والديها، صورة الجرح الذي لا يندمل مهما حاولت. لكنها هذه المرة لم تكن وحدها. حين دخل هارون الصف، لمح العبارات فورًا. وقف بجانبها، ونظر في عينيها مباشرة وقال بصوت ثابت: – "لا تقرأيها كحقيقة... هذي مجرد حروف خاوية، كتبها شخص خايف من قوتك." ارتجفت يد إيزة، ثم التقطت الطباشير من الطاولة، وبحركة جريئة كتبت أسفل الجملة: "القوة مش في الأهل... القوة في الروح." ساد الصف صمت ثقيل، الطلاب ينظرون إليها بعيون واسعة. بعضهم ابتسم بخبث، وبعضهم شعر لأول مرة بالحرج من نفسه. أما هي فوضعت الطباشير على الطاولة وخرجت من الصف مرفوعة الرأس، رغم أن قلبها كان يحترق من الداخل. في ساحة المدرسة، جلست على المقعد البعيد، تنظر إلى يديها. كانت تتذكر دائمًا كلام جدتها: "اليد يا إيزة مش بس أداة... اليد مرآة الروح. لو كانت روحك نظيفة، يدك تخلق حياة، مش تدمرها." كلمات الجدة أعادت لها شيئًا من الهدوء. لكنها لم تكن تدري أن العاصفة الحقيقية قادمة. بعد انتهاء الدوام، وبينما كانت تمشي في الطريق الترابي المؤدي إلى بيتها، تبعها ثلاثة من الطلاب الذين كانوا دائمًا يسخرون منها. قال أحدهم بتهكم: – "وين شجاعتك الآن يا بطلة السبورة؟" اقترب آخر وضحك بصوت عالٍ: – "عايشة في أوهام... يتيمة تحلم تصير بطلة!" لكن قبل أن يكملوا سخريتهم، ظهر هارون فجأة. كان يقف خلفهم، صوته منخفض لكنه مليء بالقوة: – "جربوا تلمسوها... وشوفوا شو رح يصير." تجمدوا في أماكنهم، وكأنهم واجهوا جدارًا من نار. تراجعوا واحدًا واحدًا، ثم رحلوا يضحكون بارتباك لإخفاء خوفهم. إيزة بقيت صامتة، تنظر إلى هارون بدهشة. – "ليش تدخلت؟" ابتسم بهدوء وقال: – "لأني أعرف شعور الوحدة... وأنا ما رح أخليك تعيشيه طول العمر." كانت تلك اللحظة بداية شيء جديد. لأول مرة، شعرت إيزة أن يدها لم تعد وحيدة... أن هناك يدًا أخرى، تمتد نحوها، وتعدها بالوقوف معها مهما اشتدت العاصفة. لكن ما لم تكن تعرفه، أن الماضي يخطط للعودة، وأن سرًا دفينًا حول يدها سيقلب حياتها رأسًا على عقب قريبًا...