بداية التحول
مرت أيام قليلة بعد مواجهة إيزة مع زملائها، وصارت المدرسة مكانًا مختلفًا بالنسبة لها. صحيح أن بعضهم ما زال يتهامسون ويضحكون في الخفاء، لكن أغلبهم صاروا ينظرون إليها بعيون مختلفة… فيها شيء من الاحترام، أو ربما الدهشة. لم يتوقعوا أن اليتيمة التي اعتادوها صامتة ومنكسرة، يمكن أن تصرخ في وجوههم بهذا الشكل.
إيزة، رغم خوفها الداخلي، شعرت لأول مرة أن صوتها له وزن. ومع ذلك، لم يكن الطريق سهلاً، لأن الكلمات التي قالتها أيقظت في داخلها حربًا أخرى: حرب الشك في نفسها.
كانت تسأل ذاتها كل ليلة:
– "هل أنا فعلاً قوية؟ ولا مجرد لحظة غضب؟ هل أقدر أعيش حياتي وأنا لوحدي من غير سند؟"
في هذا الجو المضطرب، بدأ هارون يظهر أكثر في محيطها. هو فتى معروف في المدرسة بشخصيته الغامضة، لا يتكلم كثيرًا لكن عيونه تحكي ألف قصة. كان يقف غالبًا بعيدًا، يراقبها بصمت وكأنه يقرأ ملامحها مثل كتاب مفتوح.
في أحد الأيام، اقترب منها للمرة الأولى عند بوابة المدرسة، بينما كانت تنتظر جدتها التي تأخرت قليلًا. وقف بجانبها وقال بنبرة هادئة:
– "أنتِ مش زي الباقي... عندك حاجة مختلفة."
تفاجأت إيزة من كلامه، ونظرت إليه بحذر:
– "شو قصدك؟"
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
– "القوة اللي بين عيونك... مش أي حدا يملكها."
شعرت إيزة بالارتباك. جزء منها أراد أن يهرب من الحديث معه، وجزء آخر كان فضوليًا لمعرفة نواياه. لكنها اختارت الصمت.
في تلك الليلة، حلمت حلماً غريبًا: رأت نفسها واقفة وسط صحراء مظلمة، الرياح تعصف حولها، ويد ضخمة من ظلّ أسود تحاول الإمساك بها. كلما حاولت الهرب، وجدت هارون يقف في الطرف الآخر من الصحراء، يمد يده نحوها ويقول:
– "تعالي... الطريق مش لازم تمشيه وحدك."
استيقظت فزعة، قلبها يخفق بقوة. لم تفهم معنى الحلم، لكنها شعرت أن وجود هارون في حياتها لم يكن مجرد صدفة، بل بداية شيء أكبر... ربما قدر.
وفي اليوم التالي، حصلت الصدمة.
دخلت إيزة إلى الصف، لتجد مكتوبًا على السبورة بالطبشور بخط واضح:
"اليتيمة القوية... مجرد كذبة!"
ارتجف قلبها. أدركت أن معركتها لم تنتهِ بعد، بل بدأت للتو.