طفولة من رماد - بوابة الالم - بقلم Nour - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: طفولة من رماد
المؤلف / الكاتب: Nour
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: بوابة الالم

بوابة الالم

بدأت أيام إيزة في المدرسة تتحول إلى ساحة حرب يومية. لم تكن الكلمات التي تسمعها من زميلاتها مجرد مزاح ثقيل، بل سهامًا مسمومة تطعن قلبها الصغير. كل صباح، كانت تدخل الصف ورأسها منخفض، محاولةً ألا تلتقي عيون أحد. لكن الأصوات تسبقها: – "شوفوا اليتيمة جاية!" – "أكيد ما عندها حتى ثياب جديدة، نفس المعطف من الشتاء اللي فات." – "مين أصلاً يهتم فيها؟" كانت تلك الضحكات تتكرر يومًا بعد يوم، حتى صارت كجدار يحيط بها. إيزة لم تكن ضعيفة بطبعها، لكنها تعلمت أن الصمت أحيانًا أنسب من الرد، لأن الرد قد يجلب عاصفة أكبر. في المساء، جلست مع جدتها كافيه أمام الموقد، بينما كانت النار تلتهم قطع الخشب وتصدر صوت طقطقة يشبه البكاء. سألتها الجدة بصوت حنون: – "ليش عيونك حمر اليوم يا إيزة؟" ابتسمت إيزة ابتسامة متعبة وقالت: – "الهواء يا جدتي... دخل في عيوني." لكن قلب كافيه كان يعرف الحقيقة، يعرف أن حفيدتها تقاتل وحدها في عالم قاسٍ لا يرحم. في تلك الليلة، جلست إيزة أمام المرآة الصغيرة المعلقة في غرفتها، تحدّق في وجهها وكأنها تبحث عن نفسها. همست: – "إذا أنا ما دافعت عن نفسي، مين رح يدافع؟ إذا استسلمت اليوم، رح أبقى سجينة طول حياتي..." ومنذ تلك اللحظة، اتخذت قرارًا داخليًا، أن تتغير. لم تعد تريد أن تكون الفتاة المنكسرة التي ترضى بالهامش، بل فتاة قوية، حتى وإن كان قلبها يرتجف من الداخل. في صباح اليوم التالي، حدث ما لم يكن في الحسبان. بينما كانت إيزة تمرّ في ممر المدرسة، دفعها أحد الطلاب بقوة فسقطت كتبها أرضًا. تعالت الضحكات، لكن هذه المرة... لم تنحنِ لتجمع كتبها بصمت. رفعت رأسها، نظرت مباشرة في أعين من يضحكون، وصاحت بصوت لم يسمعوه منها من قبل: – "كفى! أنتم تضحكون على ضعفكم، مش عليّ! لأن اليتيم مش عار... العار إنكم تجرحوا غيركم علشان تحسوا بقيمتكم." ساد الصمت. الجميع تفاجأ من شجاعتها. أما هي، فكانت يداها ترتجفان، لكن داخلها شعلة جديدة قد اشتعلت. وفي زاوية الممر، كان هارون يراقب المشهد بصمت. للمرة الأولى يرى تلك القوة في عينيها. ابتسم بخبث وقال في نفسه: – "الفتاة دي... مش عادية. لازم أعرف قصتها." لكن إيزة لم تكن تعلم أن هذا الفضول من هارون سيكون بداية فصل جديد، أخطر بكثير مما تتخيل.