ليلة الهروب
لم تكن تلك الليلة مثل أي ليلة أخرى. البيت غارق في الصمت، لكن قلب إيزة كان يعجّ بالصخب. كلمات هارون ظلت تطنّ في أذنيها: "مستقبلك معي، شئتِ أم أبيتِ."
تكرارها كان كالمطرقة، يضرب على صدرها بلا رحمة.
في الغرفة المجاورة، كان عمّها وزوجته يتحدثان بصوت منخفض، لكنه كان مسموعًا بما يكفي.
– "هارون عرض علينا مبلغًا كبيرًا إن تم الزواج قريبًا."
ضحكت زوجته بخبث:
– "وما الذي يمنعنا؟ الفتاة لا تملك من يساندها، والجدة عجوز بالكاد تستطيع الدفاع عن نفسها."
– "صحيح... سنرتّب كل شيء في أقرب وقت."
ارتجفت يد إيزة، ودموعها تجمّعت في عينيها. لم تعد تحتمل فكرة أن تتحول إلى سلعة تُباع وتشترى. اقتربت من سرير جدتها، جلست على الأرض بجانبها، وأمسكت بيدها الهزيلة.
– "جدتي... يريدون تزويجي لهارون."
فتحت كافيه عينيها بصعوبة، لكنهما كانتا مليئتين بالنار:
– "لن أسمح بذلك! إنهم وحوش، لا يعرفون معنى الرحمة."
– "لكن ماذا نفعل؟ إنهم أقوى مني ومنك..."
– "القوة ليست بالمال يا ابنتي، القوة في أن نقول (لا) ونثبت عليها."
أمضت إيزة بقية الليل وهي تفكر. بين الخوف من المجهول، وبين الرغبة الجامحة في النجاة. حتى جاء الفجر، ومعه قرارها: لن أبقى هنا أكثر.
مع شروق الشمس، تسللت بهدوء خارج البيت. حملت حقيبة صغيرة وضعت فيها بعض الثياب والكتاب الوحيد الذي تركته لها أمها. خطواتها كانت سريعة، أنفاسها متقطعة، وقلبها يدق بقوة. كانت تعرف أن عمّها إذا استيقظ ووجدها غائبة، سيبحث عنها كالوحش الجائع.
سارت حتى وصلت إلى أطراف القرية، حيث الطريق الطويل المؤدي إلى المدينة. وهناك، توقفت، لا تعرف إلى أين تذهب، ولا كيف تبدأ. شعرت للحظة أنها ضائعة، كطائر صغير خرج من عشه لأول مرة.
وفجأة، سمعت صوتًا مألوفًا خلفها:
– "إيزة؟ ما الذي تفعلينه هنا وحدك؟"
استدارت بسرعة، لتجد علي دمير يقف أمامها، يحمل بعض الكتب بيديه. نظر إليها بقلق واضح.
– "أنتِ تبكين... ماذا حدث؟"
لم تستطع تمالك نفسها، فانهارت بالبكاء. أخبرته بكل شيء: عن عمها، عن مؤامرة هارون، عن الصفعة والإهانة، وعن خوفها من أن تُجبر على زواج لا تريده.
ظلّ صامتًا يستمع حتى النهاية، ثم قال بثبات:
– "أنتِ محقة في الهروب... لكن ليس وحدك. الطريق مليء بالمخاطر. دعيني أساعدك."
هزّت رأسها برفض سريع:
– "لا أريد أن أحمّلك مشاكلي. هذه حياتي، وعليّ أن أواجهها بنفسي."
ابتسم بخفة وقال:
– "الحياة ليست حربًا نخوضها وحدنا دائمًا. أحيانًا، نحتاج من يسير معنا... حتى لو لبضع خطوات."
كانت كلماته كالبلسم، لكنها أيضًا أخافتها. لم تعتد أن تجد أحدًا يقف معها دون مقابل. ومع ذلك، في تلك اللحظة، شعرت أن القدر أرسل لها يدًا تنتشلها من الغرق.
لكن قبل أن تتخذ قرارها، ظهر من بعيد ظلّ سيارة سوداء تقترب بسرعة. أدركت فورًا أنها سيارة هارون.
شهقت:
– "لا... لقد وجدوني!"
أمسك علي دمير بيدها بقوة وقال:
– "اركضي معي... لا تلتفتي للوراء."
ركضا معًا على الطريق الترابي، والغبار يتطاير خلفهما. أصوات محرك السيارة تقترب، وصوت هارون يصرخ من بعيد:
– "إيزة! توقفي فورًا!"
لكنها لم تتوقف. لأول مرة، شعرت أن قدميها تملك أجنحة. تركت كل شيء خلفها: الذل، الألم، والخوف... وركضت نحو مستقبل مجهول، لكن على الأقل كان مستقبلًا من اختيارها.