طفولة من رماد - قسوة بلا حدود - بقلم Nour - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: طفولة من رماد
المؤلف / الكاتب: Nour
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: قسوة بلا حدود

قسوة بلا حدود

مرت أيام قليلة منذ أن رأت إيزة علي دمير لأول مرة، لكن حضوره ظلّ يرافقها في ذهنها كنسمة هواء وسط عاصفة. ابتسامته الهادئة، صدقه في الكلام، وطريقته البسيطة التي لم تتكلّف شيئًا... جعلت قلبها يلين قليلًا بعد سنوات طويلة من التصلّب. لكن الواقع لم يكن رحيمًا، لأن البيت الذي تعيش فيه كان أشبه بسجن يزداد ضيقًا يومًا بعد يوم. في تلك الليلة، عاد عمّها إلى البيت متأخرًا، وعيناه تلمعان بخبث. جمع أفراد العائلة حول مائدة العشاء الباردة وقال بصوت عالٍ: – "سمعت أخبارًا... هارون يريد أن يقيم شراكة جديدة، وربما زواجًا يربط بين عائلتينا." رفعت إيزة رأسها ببطء، والملعقة تسقط من يدها على الطاولة. قلبها خفق بقوة، لكن كلماتها خرجت متماسكة: – "لن أتزوج شخصًا لا أريده." سادت لحظة صمت ثقيل، قبل أن يصفعها عمّها بكفه القاسية، صفعة جعلت وجهها يحمرّ ويشتعل ألمًا. – "أنتِ لا تملكين حق الاختيار! منذ متى تُسأل اليتيمة عن رأيها؟" وقفت جدتها على الفور، وضربت بيدها على الطاولة: – "يكفي! لن أسمح لك أن تبيع حفيدتي كما تُباع البضائع!" لكن ضحكات زوجة العم اخترقت الجو: – "ومن سيمنعنا؟ هذه الفتاة لا تملك شيئًا، ونحن من أطعمناها وربيناها. من الأفضل أن تسكت وتقبل نصيبها." إيزة حملت دموعها داخل عينيها، لم تسمح لها بالسقوط. تركت المائدة وغادرت مسرعة إلى غرفتها، أغلقت الباب، وانهارت تبكي بصوت مكتوم. الكلمات ترددت في عقلها كطعنة: "لا تملكين حق الاختيار... لا تملكين شيئًا..." جلست قرب النافذة، همست للنجوم: – "أمي... أبي... لماذا تركتماني؟ لماذا أُعامل كأنني بلا قيمة؟" لكن في قلبها، نار صغيرة بدأت تشتعل. نار لم تكن مجرد غضب، بل عزيمة تقول لها: لن أسمح لهم أن يحددوا مصيري. في اليوم التالي، حاولت أن تلهي نفسها بالدراسة في المكتبة المدرسية. وهناك، التقت مجددًا بـ علي دمير. كان يبحث بين الرفوف عن كتاب، وعندما رآها ابتسم ابتسامة خفيفة. – "أهلاً... تذكرينني؟" أومأت برأسها، لكنها لم تستطع أن تخفي حزنها. نظر إليها مطولًا ثم قال بصوتٍ مفعم بالصدق: – "عيناكِ تقولان إنكِ تحملين ثِقلاً كبيرًا. لا أعرفك جيدًا، لكن... أحيانًا مجرد الكلام يخفف الألم." ترددت، لكن شيئًا ما دفعها للجلوس معه. ولأول مرة، حكت له عن孤بها، عن ظلم عمها، عن الصفعة التي تلقتها ليلة أمس. لم يعلّق كثيرًا، لم يَعِدها وعودًا كبيرة، فقط قال جملة واحدة: – "الكرامة أثمن من أي شيء، إيزة. تذكّري دائمًا أنكِ تستحقين أن تختاري." كانت تلك الكلمات كالماء البارد الذي يُطفئ نارًا مشتعلة. شعرت أن الله بعث لها شخصًا ليذكرها بأنها ليست وحدها في هذه الدنيا. لكن بينما كانت تغادر المكتبة، رأت أمام البوابة هارون يقف بانتظارها، وابتسامته المتعالية ترتسم على وجهه. – "ها أنتِ هنا... كنت أبحث عنك." تراجعت خطوة للخلف، وكأن الأرض تهتز تحت قدميها. – "ماذا تريد مني؟" اقترب ببطء، صوته منخفض لكنه يحمل تهديدًا واضحًا: – "أريدك أن تفكري جيدًا... لا تضيعي وقتك مع الفقراء. مستقبلك معي، شئتِ أم أبيتِ." عيناه كانتا كفكي ذئب لا يعرف الشبع. تلك اللحظة، أدركت إيزة أن الحرب بدأت بالفعل. حرب ليست فقط ضد عمّها وهارون... بل حرب من أجل حريتها وحقها في أن تعيش بكرامة. في قلبها، ترددت كلمات علي دمير: "الكرامة أثمن من أي شيء..." رفعت رأسها بثبات لم تعرفه من قبل، وقالت بحدة: – "أنا لست ملكًا لك، ولن أكون أبدًا." تركته وابتعدت بخطوات سريعة، لكنها كانت تعرف... أن هذا الرفض لن يمرّ بسهولة. وأن الليل القادم سيحمل معه عاصفة جديدة.