اللقاء الاول
منذ ذلك اليوم في السوق، لم تترك صورة هارون عقل إيزة. كانت تكره نفسها لأنها سمحت لعينيه أن يزرعا في قلبها ارتباكًا غريبًا. لكن الأيام في القرية لا ترحم، والفضول ينتشر أسرع من الريح. سرعان ما بدأ الناس يتهامسون:
– "سمعتم؟ ابن العائلة الثرية يريد الاستثمار هنا."
– "يقولون إنه يبحث عن شراكة... وربما عن زوجة."
إيزة كانت تسمع هذه الكلمات وكأنها تُقال في وجهها. كلّما حاولت تجاهل الأمر، تذكّرت تلك النظرة التي لم تكن بريئة.
في إحدى الليالي، جلس عمّها مع بعض الرجال في فناء البيت، يتحدثون بصوت عالٍ. تسللت الكلمات إلى أذنيها:
– "هارون شاب طموح... يبحث عن فرصة، وربما يريد أن يتقرب منا."
ضحك عمّها بخبث:
– "إن أراد التقرب، سيجد الوسيلة. عندي فتاة يمكنها أن تكون جسرًا له... اليتيمة."
تجمدت إيزة مكانها. قلبها خفق كطبلٍ في صدرها. شعرت بأن حياتها لم تعد ملكًا لها، وأنها مجرد ورقة في يد رجل لا يعرف سوى لغة الطمع.
في اليوم التالي، وبينما كانت في طريقها إلى المدرسة، توقفت سيارة سوداء قربها. نافذتها انخفضت ببطء، وظهر وجه هارون. ابتسم ابتسامة واثقة، وقال بصوت هادئ:
– "إلى أين في هذا الصباح الجميل؟"
لم تجبه. حاولت أن تواصل السير، لكن السيارة سارت ببطء بجانبها.
– "سمعت عنك الكثير يا إيزة... ابنة اليد التي لا تستسلم."
توقفت فجأة، نظرت إليه بعينين غاضبتين، وقالت بحدة:
– "اسمع... لا أعرف ما الذي تريده، لكن ابتعد عني."
ضحك بخفة، وكأنه يستمتع بعنادها:
– "هذا ما يعجبني فيكِ... لستِ مثل باقي الفتيات."
تركتْه ورحلت بسرعة، لكنها في أعماقها شعرت بخوفٍ لم تعرف مثله من قبل. ليس لأنه قوي، بل لأنها تعرف أن هذا النوع من الرجال لا يترك فريسته بسهولة.
في المساء، جلست مع جدتها كافيه التي لاحظت شرودها. سألتها بحنان:
– "ما بكِ يا ابنتي؟ وجهك شاحب كأنك عائدة من معركة."
أطرقت إيزة رأسها، ثم تمتمت:
– "هناك رجل... ينظر إليّ بطريقة لا أفهمها. أخشى أن يجلب لنا المتاعب."
وضعت الجدة يدها على كتفها، وقالت بصوت ثابت:
– "لا تخافي يا إيزة. الرجل الذي يقترب بنية سيئة، يسقط مهما بدا قويًا. المهم أن تظلي ثابتة على الحق."
لكن تلك الليلة، لم تستطع النوم. كلما أغمضت عينيها، رأت وجه هارون وابتسامته الماكرة.
وفي اليوم التالي، جاء القدر ليضعها أمام اختبار جديد. في المدرسة، دخل شاب غريب بملابس بسيطة، يحمل حقيبة مدرسية بيده. كان جديدًا في القرية. اسمه علي دمير.
لم يكن مثل هارون، لم يكن يملك سيارة فاخرة أو ابتسامة متعالية. كان في عينيه صدق نادر، وفي صوته دفء مختلف. جلس بالقرب منها، ابتسم بخجل، وقال:
– "أنا جديد هنا... هل يمكن أن تدليني على المكتبة؟"
نظرت إليه للحظة طويلة. لم تقل شيئًا، لكنها شعرت بشيء يختلف تمامًا عما شعرت به أمام هارون. شعور بالراحة... كأنها وجدت ملاذًا وسط هذا العالم القاسي.
بين هذين الرجلين، بدأت حكاية جديدة تتشكل: رجل يتقن الخداع، ورجل يملك الصدق. وإيزة، اليتيمة الباحثة عن كرامتها، ستجد نفسها عالقة بين طريقين... أحدهما يقود إلى الظلام، والآخر إلى نورٍ قد يكون بعيدًا جدًا.