طفولة من رماد - طفولة من رماد - بقلم Nour - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: طفولة من رماد
المؤلف / الكاتب: Nour
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: طفولة من رماد

طفولة من رماد

في قرية صغيرة محاطة بالجبال الصامتة والأنهار التي تجري ببطء كأنها تحكي حكايات الزمن، كبرت طفلة تُدعى إيزة. بيتها لم يكن بيتًا واسعًا أو مليئًا بالضحكات، بل كان بيتًا قديمًا من طوب متشقق وجدران تشهد على سنين طويلة من البؤس. في هذا البيت، عاشت طفولة حزينة، طُبعت فيها ملامح الحرمان منذ أول يومٍ رأت فيه النور. فقدت والدها في حادث غامض، قيل إنه مات بسبب خلافات عائلية أو ربما مؤامرة من أحد الأقارب، لكن الحقيقة ضاعت في ثنايا الصمت. أمّا والدتها، فقد غادرت الدنيا مبكرًا، تاركة خلفها طفلة بعينين واسعتين وابتسامة تحمل براءة لم يرحمها أحد. لم يبقَ لها سوى جدتها كافيه، المرأة العجوز التي حاولت أن تكون لها أمًا وأبًا وسندًا، رغم أن العمر أثقل كاهلها. كانت الجدة قوية الملامح، يكسو وجهها شقوق الزمن، لكن عينيها تلمعان بحنان يذيب أي جرح. ومع ذلك، لم يكن هذا الحنان كافيًا ليحمي إيزة من قسوة الحياة. في المدرسة، كانت تسمع الهمسات تلاحقها: – "انظروا... هذه هي الطفلة اليتيمة." – "بلا أم ولا أب... من سيقف معها؟" كبرت إيزة وهي تحمل هذه الكلمات كأحمال ثقيلة على صدرها، لكنها كانت تكتم دموعها وتبتسم رغم الألم. كانت تقول لنفسها: – "سأثبت لهم أنني لست ضعيفة... لن يقرر أحد قيمتي سواي." لكن البيت نفسه لم يكن مأوى آمنًا. بعد أن تزوج عمّها واستولى على جزء من ميراث والدها، بدأت مرحلة جديدة من العذاب. عمّها وزوجته لم يرحماها يومًا. كانا ينظران إليها كعبء ثقيل، ويذكرانها دائمًا بأنها "ضيف بلا حق": – "تذكّري، أنتِ تعيشين هنا بفضلنا... فلا ترفعي رأسك كثيرًا!" كانت إيزة تقف صامتة، تخفي غضبها في قلبها. وعندما تعود إلى جدتها، تجد صدرها مفتوحًا لها. الجدة تمسح على شعرها وتقول: – "لا تنحني يا ابنتي... الحياة لا تُعطى للضعفاء. نحن نحمل وجعنا ونمشي." ليالي إيزة كانت طويلة، تقف أمام نافذة صغيرة مكسورة تطل على السماء. تنظر إلى النجوم وكأنها تخاطبها سرًا: – "خذوني معكم... لا أريد أن أبقى سجينة هنا. أريد أن أطير، أن أصبح قوية، أن أكتب قصتي بنفسي." وفي أحد الأيام المشمسة، وبينما كانت تساعد جدتها في السوق الشعبي، حدث ما سيغير مجرى حياتها. السوق كان يعجّ بالناس، أصوات الباعة تتداخل: – "تفاح طازج! برتقال يلمع كالذهب!" – "سمك طري... من النهر مباشرة!" وفجأة، توقفت سيارة فاخرة أمام السوق، لونها أسود لامع يعكس وجوه الفضوليين. نزل منها شاب بملامح واثقة، يرتدي بدلة أنيقة رغم بساطة المكان. كان هذا هارون. نظراته مسحت المكان بسرعة حتى وقعت على إيزة. نظرة واحدة فقط... لكنها كانت كافية. إيزة شعرت أن قلبها انقبض، لم تفهم لماذا، لكنها رأت في ابتسامته بريقًا غريبًا، ليس بريق حب أو صدق، بل بريق رجل اعتاد أن يحصل على ما يريد. تجمّع الناس حول السيارة، بعضهم يتحدث بإعجاب: – "انظروا... هذا ابن العائلة الثرية." – "يبدو أنه جاء ليستثمر هنا." بينما كانت إيزة تحاول تجاهله، كان قلبها يخبرها أن هذه اللحظة لن تكون عابرة. لم تعلم أن دخول هارون إلى حياتها سيشعل شرارة من الأحداث التي ستقلب حياتها رأسًا على عقب. وفي المساء، حين جلست قرب النافذة تحدّث النجوم كعادتها، لم تستطع أن تطرد صورته من رأسها. تمتمت بصوت منخفض: – "لا أريد أن يكون لي علاقة بك... لكن قلبي يخبرني أن القدر يكتب قصة جديدة." كانت لا تعلم أن هذه القصة لن تكون مجرد حكاية حب، بل صراعًا بين الكرامة والخيانة، بين الحلم والخذلان، بين فتاة يتيمة تبحث عن قوتها... ورجل يعرف كيف يستغلّ الضعف ليحقق أطماعه.