موعد البحر
بعد لقائنا الأول، لم أعد كما كنت. وجدت نفسي مأخوذًا بها، وكأن قلبي الذي ظل طويلًا في سبات، قد استيقظ فجأة. لم أستطع كتمان الأمر طويلًا، فقررت أن أشارك والدتي بما أشعر به. جلست إليها ذات مساء، وحكيت لها عن الفتاة التي دخلت حياتي دون استئذان. نظرت إلي بعينين لامعتين بالفرح، ثم قالت برقة:
"إن كنت تراها نصفك الآخر، فأسأل الله أن تكون نصيبك."
لم يمر وقت طويل حتى نقلت الخبر إلى والدي. كان مبتسمًا، والرضا مرسوم على وجهه، وكأن جزءًا من حلمه قد تحقق برؤيتي أسير في درب الاستقرار. كان البيت مليئًا بالبهجة، وكأن نسيمًا جديدًا قد دخل إلى أركانه.
بعد أيام، اتفقنا على لقاء ثانٍ. كان ذلك في التاسعة مساءً، حين كانت المدينة تتهيأ للنوم، والبحر يفتح صدره للعشاق والحالمين. جلسنا على ضفافه، نتحدث بلا انقطاع، عن حياتنا، عن ذكرياتنا، عن كل ما يخطر في بالنا. كانت ضحكتها موسيقى تتناغم مع هدير الأمواج، وصوتها ينساب في داخلي كجدول ماء صافٍ.
جلسنا قليلًا، والليل يكسو المكان بسحره. بهدوء وضعت رجليها على ركبتي، فشعرت بدفء يذيب كل حواجز الخجل. كان عناقنا الأول، لحظة احتاجها قلبي أكثر مما احتاج الهواء. إحساس غريب اجتاحني، كأن روحي تحلّق بعيدًا عن جسدي وتصعد نحو السماء.
لم أجد ما أعبّر به عن امتناني لوجودها غير أن أمسكت يدها، ورفعتها برفق إلى شفتيّ، لأطبع عليها قبلة صادقة… قبلة لم تكن مجرد حركة، بل كانت وعدًا خفيًا، أنني سأبقى مخلصًا لهذا الشعور حتى النهاية.