الفصل 2: الجزء 2
في غرفة مجلس الطلبة، إحدى زوايا المدرسة الصامتة خلف الضجيج، خيّم جو من التركيز.
وقفت بجوار طاولةٍ خشبية، أمامي ورقة بيضاء لم تُكتب بعد، لكنها لم تكن فارغة تمامًا بالنسبة لي؛ كنت أحدّق فيها بتركيز عميق، كما لو أنني أحاول فكّ شيفرة مكتومة فيها. يداي مستندتان على حافتها، وإحدى راحتي تغطي جزءًا من الصفحة، وكأنني أمنع أفكاري من الفرار.
إلى جانبي، جلست نتاشا، تكتب ملاحظات دقيقة على ورقة مشابهة، وبين كل جملة وأخرى، كانت عيناها تتحركان بين الحاسوب ودفتر الملاحظات، تنقّح، تراجع، وتدقّق، كما لو أن كل حرف يحمل أهمية مصيرية.
وفي الطرف الآخر من الغرفة، وقف الفتى المساعد، يحمل بين يديه رزمة أوراق. تقدّم بخفة، ووضعها بهدوء على الطاولة دون أن يقطع سكون الغرفة.
ابتسمت له بلطف ونبرة امتنان ناعمة:
ــ "شكرًا لك يا صديقي، لقد أرهقناك معنا مؤخرًا... يمكنك الانصراف الآن."
أضافت نتاشا بابتسامة دافئة:
ــ "نعم، نحن نُقدّر مجهودك، شكرًا لك."
أومأ الفتى بابتسامة خجولة، تمتم بكلمات شكر، ثم غادر الغرفة بصمت، وكأنه لا يريد أن يُفسد الجو الهادئ بكلمة زائدة.
عدت إلى ورقتي، وعاد تركيزي، قبل أن أقول بنبرة خافتة وأنا أعبث بطرف قلمي:
ــ "سيُعقد اجتماع في الحصة الأخيرة... يبدو أننا سنخرج باكرًا اليوم."
نظرت نتاشا معي إلى الورقة، وهمست وهي تتابع:
ــ "معك حق... قد يكون هذا أفضل."
وقبل أن تُستكمل لحظة الصفاء تلك، انفتح الباب دون سابق إنذار.
دخلت فتاة بثقة، ووقفت قبالتي مباشرة، تنظر إلي بنظرة تحمل أكثر مما تظهر. رفعت نتاشا رأسها بهدوء، تراقب الفتاة التي لم تحوّل نظرها عني، وكانت تلعب بخصلات شعرها بإغراء ظاهر خلف خجلٍ مصطنع.
قلت بنبرة رسمية متزنة:
ــ "هل تحتاجين شيئًا، أيتها الطالبة؟"
أجابت الفتاة بصوت منخفض، تحاول أن تُلبسه رقة زائفة:
ــ "نعم... لدي مشكلة وأريد حلًّا لها."
أومأت دون أن أعلّق، فتحت أحد الأدراج، وأخرجت ملفّات الطلبة بانتظام.
ــ "ما اسمك الكامل؟" سألت وأنا أبحث بعيني.
ــ "سمانثا لوجيرو."
ردّدت الاسم بيني وبين نفسي، وشرعت أقلّب بين الملفات حتى استخرجت ملفها، فتحته بخبرة، وتوقفت عند الصفحة الخاصة بالمشكلات الطلابية، تلك التي تُخصّصها الإدارة لتسجيل الشكاوى.
أخذت قلمي، ووضعت رأسه على الورقة، ثم قلت دون أن ينظر إليها:
ــ "حسنًا، ما هي مشكلتك؟"
لكن الفتاة لم تجب مباشرة. بدأت تتلوّى في وقفتها بطريقة مسرحية، تلفّ خصلة شعر حول إصبعها، ثم تميل بجسدها قليلاً للأمام، وهمست:
ــ "في الحقيقة... المشكلة ليست لدي، بل في قلبي. والحل... عندك أنت."
رفعت نظري إليها أخيرًا. حدّقت فيها بنظرة حادة لكنها خالية من الانفعال، وقلت بجفاف:
ــ "وما هو الحل الذي تنتظرينه مني؟"
ابتسمت سمانثا ابتسامة مبالغ فيها، وهمست بصوت أكثر أنوثة مما يليق بالموقف:
ــ "أن تخرج معي في موعد... هذا هو الحل."
أغلقت الملف بهدوء، وأعدته إلى مكانه، ثم نظرت إليها بثبات وقلت بنبرة لا تقبل النقاش:
ــ "معذرة، سمانثا، لكن هذه مشكلة شخصية. أنا هنا لمساعدة الطلاب في مشكلاتهم الأكاديمية والاجتماعية داخل المدرسة فقط، لا للتورّط في علاقات عاطفية."
تبدّلت ملامح سمانثا من دلال إلى غضب. قبضت على كفيها بشدة، وصرخت:
ــ "تبًا لك يا جاك! لماذا تتعامل معي بهذه الرسمية وكأنك لا تعرفني؟ نحن في نفس الفصل، وتعلم تمامًا ما أكنّه لك منذ شهور، لكنك ترفض حتى أن تنظر لي!"
ظلّت نتاشا صامتة، تتأمل المشهد ببرود مثير.
قلت ببرود واضح وصوت صارم:
ــ "هذه غرفة مجلس الطلبة، وليست ساحة اعترافات عاطفية. إذا لم يكن لديكِ شكوى رسمية، أرجو منك المغادرة فورًا. وإلا سأضطر لإبلاغ الإدارة بسوء سلوكك وعدم احترامك للوائح."
صرّت سمانثا على أسنانها، وعلت حمرة وجهها من الغضب، ثم صرخت بنبرة تهديد:
ــ "ستندم! سأجعلك تندم، يا جاك! الكل في هذه المدرسة يحلم بي، وأنت ترفضني؟ لقد رفضتِ الشخص الخطأ!"
ثم استدارت بسرعة، رفعت رأسها بشموخ مزيف، ولوّحت بشعرها في حركة مسرحية أمامي، وخرجت من الغرفة بعنف، أغلقت الباب بقوة، ثم ركلته بقدمها، وصرخت شتيمة بصوت عالٍ حتى أتأكد من سماعها.
جلست أخيرًا على كرسي، زفرت بضيق، وقلت:
ــ "هذه الفتاة لا يصلح معها الكلام...."
قالت نتاشا، وهي تعاود النظر إلى شاشتها:
ــ "دعك منها، أنت تعرف سمانثا... دائمًا تحب أن تكون محطّ الأنظار."
أومأت برأسي وقلت بمرارة:
ــ "نعم، وعندما تفشل... تتحوّل إلى قنبلة من الوقاحة. أعلم أنها تضعني كهدف، وستحاول الانتقام بأسلوبها المسموم... رغم أنني لم أؤذِها يومًا."
قالت نتاشا بنبرة هادئة:
ــ "ولا تنسَ الشائعات التي نشرتها عنك... قالت إنك كنت على علاقة بها ثم هجرتها."
وضعت يدي على جبيني، وتنهدت بضيق:
ــ "يا إلهي، لا تذكريني! نصف المدرسة صدّق تلك الكذبة... أرادت تدميري بأي طريقة."
ضحكت نتاشا بخفة:
ــ "ومع ذلك... كانت تلك الشائعة أهون من التي انتشرت بعدها، بأنها هي من رفضتك."
ابتسمت أخيرًا، وقلت بنبرة ساخرة:
ــ "أجل، هذه كانت الضربة القاضية."
في الصف، وسط رتابة الشرح وجمود السبورة، دار بين الأصدقاء الأربعة حوار سرعان ما حوّل الدرس إلى ساحة جدل، وشيء من المسرح.
كان سايمون مائلًا للخلف على كرسيه، وقد شبك يديه خلف رأسه بكسل ساخر، وقال بنبرةٍ خفيفة أقرب إلى الاستهزاء:
ــ "يا إلهي، ما الذي سنستفيده من قصة الملك... أزيروا؟ أو أزاراي؟ حتى اسمه بالكاد يُحفظ. لا شيء في تاريخه يستحق الاهتمام، كان كغيره من ملوك الأزمنة الغابرة... نسخة باهتة من ألف ملك."
رفعت حاجبي بهدوء وأنا أقلب صفحة كتابي، ثم قلت:
ــ "ولكنه كان ملكًا عادلًا... حكيمًا، وذلك نادر. كم ملكًا في ذلك الزمان جمع بين القوة والرحمة؟"
تنهد كريس ببطء، صوته هادئ لكنه يحمل رأيًا حادًا:
ــ "ربما، لكنه في النهاية وقع ضحية للحب... ذلك الحب الذي حوّله إلى شخص ساذج، وضعيف في نظر من حوله."
بدت ملامح الأسى على وجه نتاشا، وهمست وكأنها تحكي عن شخص تعرفه:
ــ "وهل الحب جريمة؟ لا أحد يُعدم لأن قلبه أحب. انظروا فقط ما فعلته به زوجته... لا أصدق أن إنسانة قادرة على هذا الكم من القسوة."
رد كريس دون أن يرفع عينيه عن الكتاب المفتوح:
ــ "يُقال إنه أُجبر على الزواج منها... وأنه لم يحبها يومًا. أما عشيقته، فكانت حبه الحقيقي... لكنهم حرموه منها إلى الأبد."
هزّزت رأسه ببطء وقلت بصوتٍ منخفض، فيه شيء من الحزن:
ــ "صحيح، لم يقتلوه... لكنهم قتلوا روحه. أطفأوا قلبه بالنار، وتركوا جسده بينهم كدمية خاوية. لقد مات حيًّا، فقط بلا قبر."
قالت نتاشا:
ــ "ويُقال إنهم أحرقوا جثة العشيقة... أليست هذه وحشية؟ لا أصدق أن الزوجة كانت بهذا القدر من الظلام... كيف يخبئ إنسان بداخله كل هذه القسوة؟"
في الزاوية، قلب سايمون عينيه وتنهّد بقوة وهو يبدأ بحكّ أنفه بملل ظاهر، ثم تمتم ساخرًا:
ــ "يا رفاق، اتركوا التحليلات العاطفية والقصص المأساوية للأستاذ... هذا مجرد درس، لا مسرحية تراجيدية."
رفع كريس نظره نحوه، وقد بدا عليه الضيق، وقال بنبرة تهكمية:
ــ "هذا تافه بالنسبة لك لأنك ببساطة لا تفهم شيئًا، لا أحد يجبرك على الاستماع، بإمكانك الغرق في جهلِك وحدك."
انحنى سايمون إلى الأمام، رفع كمّه ببطء وبنبرة مهددة قال بغيظ:
ــ "أوه، فعلًا؟ حسنًا، دعني أخبرك بما يهمني الآن... تشكيل لوحة فنية خرافية على وجهك، أيها الأشقر المدّعي."
ولم تكد الجملة تكتمل، حتى دوّى صوت الأستاذ لورنس من مقدمة الفصل، صرخ بنفاد صبر:
ــ "سايمون! كفاك وشوشة، صوتك يصل إلى أعماق أذني! التزم الصمت، أو غادر صفي فورًا."
أعاد سايمون كمّه ببطء، وتنهد وهو ينحني مجددًا إلى الوراء، ثم قال بصوتٍ متمرد فيه بعض الاستهزاء:
ــ "حسنًا، حسنًا... معذرة يا أستاذ."
رمقه الأستاذ بنظرة تحذيرية، ثم استدار ليكمل الشرح والكتابة على السبورة.
في هذه اللحظة، تبادل سايمون وكريس نظرات مشحونة، لم يتحدثا، لكن وجهيهما كانا يتكلمان بوضوح. غضب، تحدٍ، استياء... وكل ذلك بلغتهما الخاصة: لغة العيون التي لا تحتاج إلى ترجمة.
كانت نتاشا تتابع بصمت، ثم لم تتمالك نفسها، فابتسمت بخفة وهي تهمس لنفسها، بينما تعيد فتح كتابها:
ــ "يا إلهي... أنتما لا تتغيران."
في ساحة المدرسة، وسط الضجيج المعتاد وصخب الطلاب، كنت أجلس على أحد الكراسي الخشبية القديمة، وكأنني خارج عن هذا الزمن، غارقًا في عزلتي المريحة.
ذراعي مسترخية على مسند الكرسي، ويدي الأخرى تمسك بكتاب، أقرأه بهدوء يشبه التأمل. رغم الضوضاء المحيطة، لم تزعجني الأصوات، ولا ضحكات المارة، فكل ما يهمني كان بسيطًا: لا أحد يخرق القواعد.
لكن سكوني هذا لم يدم طويلًا.
خطوات خفيفة وبطيئة جاءت من خلفي، خطوات أعرفها جيدًا، وابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتي دون أن أرفع عيني. تابعت القراءة، أنتظر اللحظة التالية التي توقعتها بكل ثقة.
وفجأة، دوّى صراخ مفاجئ قرب أذني، كصاعقة قطعت خيط أفكاري.
انتفضت من مكاني، واتسعت عيناي من الهلع، وقبل أن أستوعب ما حدث، دوّت ضحكات عالية خلفه. التفت، لأجد ماريا تضحك بهستيرية وهي تمسك بطنها وتقول وسط الضحك:
ــ "يا إلهي، انظر إلى نفسك!"
ضحكت أيضًا، وهززت رأسي بتمثيل اليأس وقلت:
ــ "آه... لقد نلتِ مني يا فتاة."
جلست ماريا إلى جانبي، نظرت إلى الكتاب في يدي، ثم قالت بمرح:
ــ "أيها القارئ النهم، جئتُ لأنتشلك من وحدتك هذه... أنت تبدو كمتشرد مهجور هنا."
نظرت إليها وابتسمت:
ــ "كنت أبحث عن بعض العزلة... لكنكِ دائمًا موضع ترحيب، ماري."
قالت ماريا وهي تعقد ذراعيها:
ــ "هل تناولتَ غداءك؟"
هزّزت رأسي دون أن أرفع عيني عن الصفحة:
ــ "لم أحضره اليوم... أفضل أن أتناوله في البيت."
زفرت ماريا بضيق طفولي:
ــ "أنت لا تُصدق! كيف تتحمل كل هذه الساعات من الجوع؟ هذا فوق طاقتي."
ضحكت ، وقلت وأنا أنظر إليها:
ــ "وهل أكلتِ أنتِ؟"
أومأت ماريا بفخر:
ــ "نعم! قبل خمس دقائق... وما زلتُ جائعة."
ابتسمت وأخرجت كيسًا صغيرًا كنت أخفيه بجانبي، وضعته بيننا. نظرت ماريا إلى الكيس، ثم إلي بشك:
ــ "ما هذا؟"
قلت بلطف:
ــ "حصّتك من الطعام."
فتحت الكيس، وبدأت تبحث فيه بحماسة أشبه بدجاجة تنقّب في الحبوب، قبل أن تخرج العصير والحلويات التي تحبها. عيناها لمعَتا، وابتسمت كمن عثر على كنز:
ــ "آه! عصيران موز... وقطع الحلوى المفضّلة لدي!"
أومأت برأسي وقلت بابتسامة عريضة:
ــ "تمامًا كما تعرفينني... أعلم أنكِ مدمنة طعام غير صحي، لكن هذه المرة... استثناء."
رفعت ماريا حاجبها:
ــ "استثناء؟ ماذا تعني؟"
لكني لم أجب. كانت منهمكة في الأكل، لا تعير اهتمامًا لما وراء الكلمات. لكني كنت أنظر إليها بصمت، بنظرة لم يرها أحد، رقيقة، عميقة...
“هذا استثناء لأنكِ كنتِ حزينة البارحة... ولا أريد لتلك العتمة أن تزور قلبك مرة أخرى. ليت هذا يخفف عنكِ، ماري.”
مدّدت يدي، وأزحت خصلة شعر عن وجهها، بلطف يشبه الهمس. لكن ماريا التفتت بعصبية وأبعدت وجهها وهي تقول:
ــ "هيي! لا تظن أن لمستك هذه ستمنحك حق مشاركتي في طعامي!"
قلت مازحًا:
ــ "إذًا لن تشاركيني؟"
ردّت بمرح:
ــ "أبدًا! هذا ملكي الخاص."
واصلت الأكل بنهم، ثم قالت بفمٍ ممتلئ:
ــ "جاك، يجب أن تبيت عندنا يومًا ما."
أجبتها:
ــ "أوه، هذا كرم كبير منكِ! حسنًا، في أول عطلة أسبوعية، سآتي. سيكون من دواعي سروري، طالما لن أكون عبئًا."
قلبت ماريا عينيها وقالت:
ــ "لن تكون عبئًا! بل إن وجودك سيريحني... أمي ستكفّ عن جري في الصباح إذا وجدت ضحية جديدة تدخلها في معسكرها الرياضي."
ضحكت :
ــ "آه، إذًا سئمتِ من معسكر خالتك جوليا الصباحي وتريدينني كطُعم؟"
أجابت بثقة:
ــ "بالضبط، سواء كنت الطُعم أو الفريسة، لا يهم!"
ردّدت مازحًا:
ــ "لكن ماذا لو قلبنا الأدوار؟ تأتي أنتِ للمبيت عندنا."
توقفت ماريا عن المضغ، وبدت وكأن لمبة فكرة أضاءت فوق رأسها، ثم قالت بصوت خافت وهي تدير رأسها ببطء:
ــ "فكرة رائعة... سأبيت عندكم لستة أشهر على الأقل!"
ضحكت بصوت عالٍ:
ــ "حسنًا! سأحرص على أن أستضيفكِ كما يليق."
بعد دقائق، نظرت إلي ماريا وسألتني:
ــ "هل أبدو شبعانة؟"
قلت:
ــ "بصراحة... لا."
قالت ماريا دون تردد:
ــ "لأني لست كذلك."
نهضت وقلت بابتسامة:
ــ "أمهليني لحظة، سأحضر لكِ شطيرتين."
تركتها، وعدت بعد دقائق أحمل كيسًا فيه الطعام. لمّا رأتني، ضحكت بفرح، وأخذت كل شطيرة في يد، وبدأت تأكل منهما بالتناوب.
قلت:
ــ "رويدكِ يا ماري، لا نزال نملك بعض الوقت. لا يوجد قاتل يتربص بشطائركِ."
لكنها لم تكن تسمع.
أملت رأسي، واقتربت فجأة، ثم أخذت قضمة كبيرة من إحدى الشطيرتين. شهقت ماريا وصاحت:
ــ "جاك! أنت هو السفاح إذًا!"
ضحكت، بينما بدأت في توبيخي بصوت مرتفع، ملوّحة بالشطيرة وكأنها توبّخني بسلاح الجريمة نفسه.
وفي مكان بعيد، خلف شجرة، كانت نتاشا واقفة، تمسك بعلبة طعام صغيرة بيديها، تنظر إليهما بصمت.
تنهدت، ونظرت إلى العلبة، وهمست بحزن:
ــ "يبدو أنني تأخرت... أردت أن أتناول الغداء معه."
فجأة، سمعت همسًا دافئًا قرب أذنها:
ــ "ليس هناك تأخير."
صرخت نتاشا بفزع، لكنها سرعان ما وجدت سايمون أمامها، يضع إصبعه على شفتيه وقال بهمس:
ــ "ششش... أنا فقط. أنتِ مختبئة، وكنتِ ستنجين لولا صرختكِ هذه."
قالت بامتعاض:
ــ "أوه، سايمون! لقد أخفتني! لا تهمس في أذني مجددًا! ولستُ مختبئة... فقط لم أرد إزعاجهما."
أسند سايمون كتفه إلى الشجرة، وعقد ذراعيه بابتسامة ساخرة:
ــ "كنتِ تريدين البقاء وحدكِ مع جاك... لكن ماريا سبقتكِ."
ترددت نتاشا، ثم تمتمت:
ــ "لا... أنا فقط... لا بأس..."
لاحظ سايمون ارتباكها، فابتسم، ثم أشار إلى علبة الطعام:
ــ "هل أعددتِ هذا بنفسكِ؟"
أومأت بهدوء.
مد يده، وأمسك ذراعها برفق، ساحبًا إياها معه. قالت بدهشة:
ــ "مهلًا... سايمون!"
قال وهو يبتسم:
ــ "هيا، لنتناول طعامكِ سويًا. أمي، كعادتها، نسيتني اليوم. أريد أن أذوق ما صنعتِ."
انتهت الاستراحة، وبدأت الساحة تفرغ من الطلاب، حتى لم يبقَ فيها سوى أنا وماريا، جالسين كما كنا.
كان الهاتف بيدي، وفي أذني اليمنى سماعة. ماريا كانت تضع الأخرى في أذنها اليسرى. نستمع للموسيقى معًا بصمت.
أنا باسط كفي، وماريا كانت تُنزِل يدها عليه وترفعها مرارًا، تحرّك قدميها بانسجام مع الإيقاع، بينما كنت أراقبها ، والابتسامة لا تغادر وجهي.
صورة قديمة مرّت أمام عيني نحن طفلان، في حديقة منزلها، نفعل الشيء ذاته.
الاختلاف الوحيد... أن الطفولة كانت هناك. والآن، أصبح قلبي أكثر وعيًا بها.