الفصل 2: الجزء 1
في قلب الفيلا الهادئة، كانت ماريا نائمة على الأرض كجندي مهزوم في معركةٍ غير مرئية. أطرافها ممددة في كل اتجاه، والغطاء مطروح بجانبها وكأنهما دخلا في خلاف طويل. فمها نصف مفتوح، خط من اللعاب يلمع عند زاويته، وصوت شخير خفيف يتخلله تمتمة ناعسة:
ــ "آمم... طعام..."
لم يطل هذا السلام طويلاً؛ إذ اندفع الباب فجأة، لتدخل الأم بخطوات حازمة، والغضب مرسوم على وجهها. حدقت بابنتها الملقاة أرضًا، ثم تنهدت بغيظ:
ــ "يا إلهي! سقطتِ من السرير مجددًا؟!"
انحنت عليها، وصوتها يقطر صرامة:
ــ "ماريا! هيا، استيقظي فورًا، لقد تأخرتِ عن المدرسة!"
لكن ماريا ظلّت غارقة في أحلامها، لا تهتز، كأنها تسمع صوتًا قادمًا من عالم آخر.
ازدادت حدة صوت الأم وهي تهز كتفيها بعصبية:
ــ "كفى نوماً يا فتاة! انهضي حالاً!"
ثم تراجعت خطوة، وضربت كفًا بكفّ، تمتمت بيأس:
ــ "لا فائدة... دائمًا العناد ذاته! حسنًا، أنتِ اخترتِ هذا بنفسك."
خرجت الأم من الغرفة، وعادت بعد لحظات وهي تحمل زجاجة ماء باردة تقطر من جوانبها. تقدمت نحو ابنتها النائمة، وبدون رحمة سكبت محتواها دفعة واحدة.
صرخة هائلة شقت سكون الصباح:
ــ "ماريـــــــا!"
قفزت ماريا من مكانها كالمصعوقة، عيناها تدوران في أرجاء الغرفة بفزع:
ــ "أمي! ما الذي حدث؟! كأن الغرفة اهتزت! هل هناك... زلزال؟!"
رفعت الأم إصبعها بتوتر شديد، ووجهها أكثر عبوسًا من أي وقت مضى:
ــ "الزلزال سيحدث حالًا إن لم تنهضي وتتبعيني فورًا!"
أغلقت الباب بعنف وهي تغادر، تاركة خلفها ارتجاف الجدران مع صدى الصوت.
أما ماريا، فقد جلست تحدق في الفراغ، تفرك شعرها المتشابك ببطء وتتمتم بجدية مصطنعة:
ــ "ما بال أمي متعكرة المزاج هكذا؟... أيمكن أنني افتعلت مشكلة في حلمي؟"
كانت ماريا متكئة في زاوية الحمام، شعرها مبعثر بطريقة جعلتها تبدو كمن خرجت من معركة لتوّها، وكتفاها مرتخيان كعجوز فقدت الأمل في الدنيا. عيناها نصف مغمضتين، بينما تحدق بسخرية بوالدتها جوليا التي وقفت أمام المرآة بكامل نشاطها، تغسل وجهها برغوة الصابون ثم تنتقل برشاقة إلى تسريح شعرها وتوزيع كريمات البشرة والعناية وكأنها في إعلان تلفزيوني. كانت جوليا تدندن أغنية بمرح يليق بطفلة، لا بامرأة أيقظت ابنتها الخامسة صباحًا.
تمتمت ماريا بنبرة متجهمة:
ـ أمي… قولي لي بصدق، هل أيقظتني في الخامسة فقط لأحضر العرض المباشر لفقرة العناية ببشرتك؟ بدل أن أكون غارقة في أحلامي الجميلة؟
ابتسمت جوليا وهي تمرر منشفة ناعمة على وجهها:
ـ حبيبتي، الاستيقاظ باكرًا هو المفتاح السحري ليوم مثالي.
رفعت ماريا حاجبيها ببطء، وقالت بسخرية ثقيلة:
ـ إذا كان هذا هو المفتاح، فأنا لا أريده. ثم إنكِ كذبتِ عليّ، قلتِ إن الحصة قد بدأت بينما كنت ما أزال نائمة!
ضحكت جوليا بخفة وهي تمشط شعرها:
ـ عزيزتي، هذا ليس كذبًا، بل حيلة صغيرة لإنقاذك من نومك العميق… أنتِ والدب سواء في هذه المنافسة.
شهقت ماريا وأسدلت كفيها على وجهها وكأنها استسلمت للقدر:
ـ يا إلهي… هل أعيش في منزل أم في ثكنة عسكرية؟
في الحديقة المكسوة بندى الصباح، كانت سجادتان مفروشتان بعناية فوق العشب البارد. جلست جوليا على إحداهما بثبات وهدوء، بينما ماريا على الأخرى، متجهمة الوجه ومرتعشة الأطراف، تحاول تقليد حركات والدتها في اليوغا.
جوليا أغمضت عينيها بتركيز، جسدها مرن كأنها تمارس هذا الطقس منذ دهر، بينما ماريا تقلّدها بأسنان مطبقة ووجه متشنج، تحارب البرد وتكاد تفقد توازنها.
تأوهت ماريا وهي ترتجف:
– أمي، ألا يمكننا الانتقال إلى غرفة المعيشة؟ الجو دافئ هناك، أما هنا فسأتحول إلى قطعة ثلج!
جوليا، دون أن تفتح عينيها، أجابت بهدوء يشبه صفاء الفجر:
– الهواء النقي هنا هو ما يجعل اليوغا مثالية.
كادت ماريا تسقط من وضعيتها وهي تتمتم بامتعاض:
– يا إلهي! حتى العصافير نائمة في أعشاشها الآن، ونحن كالبوم مستيقظتان نتعذب بهذه الحركات… ضلوعي ستتكسر قبل أن تشرق الشمس!
ابتسمت جوليا بخفة وقالت بنبرة وادعة:
– بما أنك لا تكفين عن التذمر، سنضيف عشرين دقيقة إضافية.
صرخت ماريا بفزع:
– عشرين دقيقة؟! أمي، سأفقد وعيي قبلها. لقد انقلبت الأدوار… أنتِ من استعاد شبابه، وأنا من دخلت الشيخوخة!
فتحت جوليا عينًا واحدة وأرسلت إليها نظرة حادة، قبل أن تقول ببطء:
– هل تجرؤين على القصد بأنني عجوز أساسا؟
ارتبكت ماريا، تمتمت في سرها: هذا هو الواقع، لكنها لو سمعتني سأُشنق فورًا!
ثم قالت بصوت خافت أشبه بالتوسل:
– لا شيء… لم أقصد شيئًا، صدقيني.
أغلقت جوليا عينها من جديد واكتفت بـ:
– حسنًا.
التقطت ماريا أنفاسها بارتياح، لكنها سرعان ما عادت إلى عنادها قائلة:
– ولماذا أنا بالذات؟ جاك أيضًا يستيقظ في الخامسة، وهو الآن يركض في الغابة كالأحمق… لماذا لا تتفقين معه وتتركانني أنام بسلام؟
قالت جوليا ببرود مطمئن:
– لكل شخص روتينه الخاص، وأنا لا أريد إزعاجه.
أطلقت ماريا زفرة طويلة:
– وأنا المسكينة الوحيدة التي تجدينها أمامك لتعذبيها بروتينك هذا!
اعتدلت جوليا قليلًا وقالت بنبرة صارمة:
– ماريا، تذكري أنكِ تتحدثين مع أمك. قليل من الاحترام لن يضرك، وبدلًا من ثرثرتك اللانهائية، ركزي على التمرين.
لكن ماريا لم تستسلم، وفي أعماقها عقدت خطة: سأجعل جاك يبيت عندنا يومًا ما، وحينها ستجبره أمي على مشاركة طقوسها الصباحية… وحينها فقط سأنام بسلام.
قالت جوليا بامتعاض وهي تهز رأسها:
– كل ما يملأ بالك هو الأكل والنوم والكلام… أهذه أهدافك في الحياة؟
ابتسمت ماريا بانتصار صغير وأجابت :
– بالضبط! لكن رتّبيها جيدًا: الأكل أولًا… ثم النوم.
في المطبخ، حيث عبق القهوة يتسلل مع أول خيوط الصباح، جلست ماريا على الكرسي وهي تتأرجح بملل، بينما المائدة ما زالت فارغة تنتظر اكتمال الإفطار. على الطرف المقابل جلس والدها، آرثر مرفل، ببدلته الأنيقة وربطة عنقه المحكمة، يمسك بجريدته الصباحية ببرود معتاد، غارقًا بين السطور كأن العالم خارجها لا يعنيه شيئًا.
أما الأم، جوليا أنستادياش، عارضة الأزياء العالمية السابقة، فقد كانت تتحرك بخفة وأناقة رغم الماسك البني الذي يغطي وجهها وشعرها الملفوف بعناية.
تأففت ماريا وقالت وهي تحدّق بوالدها:
ــ أبي، عليك أن تتحدث مع أمي وتقنعها بعدم إيقاظي في الخامسة صباحًا! أقسم أنني لم أنم سوى ساعتين.
لم يرفع آرثر عينيه عن الجريدة، واكتفى بجوابه البارد كعادته:
ــ لم يكن عليك السهر حتى الثالثة إذًا… النوم المبكر كان سيجعل الاستيقاظ أسهل، بلا شكوى.
استدارت جوليا برشاقة حاملة ملعقة الطهو، رفعتها كأنها عصا تحكيم وقالت بصرامة:
ــ والدك محق، يا ماريا. كم مرة قلت لكِ: لا تسهري؟!
تذمرت ماريا وهي تكاد تسقط من الكرسي:
ــ حتى لو نمت خمس عشرة ساعة، لن أقبل الاستيقاظ فجراً! ثم… أمي، ألا ترين نفسك؟ بوجهك المغطى بماسك القهوة والبيض! تبدين وكأنك ملكة الوحل!
ابتسمت جوليا بخفة، وأدارت ظهرها لتكمل الطهو:
ــ سأعتبر أنني سمعت كلمة "ملكة" فقط.
انحنت ماريا بكسل على الطاولة، تراقب أمها وهي تقدم كوب القهوة لوالدها بابتسامة رقيقة:
ــ تفضل، يا عزيزي، قهوتك السوداء كما تحبها.
التقط آرثر الكوب من دون أن يرفع عينيه عن الجريدة، أخذ رشفة هادئة وقال ببرود مألوف:
ــ شكرًا لكِ، جوليا.
ضحكت جوليا بخجل أنثوي نادر، بينما ماريا تراقبهما بعيون متسعة وتتمتم في سرها:
أقسم أن أمي تعاني من انقسام في الشخصية… لديها ثلاث نسخ مختلفة: الصارمة معي، العاشقة مع أبي، والمريبة الغريبة في الليل. اللغز الدائم: لماذا تطهو اللازانيا كل ليلة ولا تلمسها؟
قطعت حبل أفكارها بسؤال مباشر:
ــ أبي، أمي… كيف اجتمع اثنان مثلكما أصلًا؟ أنت بالكاد تنطق أكثر من جملة، وأمي لا تكف عن الكلام!
خفض آرثر الجريدة قليلًا، وحدّق بها ببرود ساخر:
ــ ومن يتحدث عن الكلام الآن؟
قهقهت جوليا وهي تضع الصحون على المائدة:
ــ لا تنسي يا عزيزتي أنك ورثت مني هذه الشخصية…
ضربت ماريا الطاولة بخفة:
ــ أنا لا أتكلم عن نفسي! أنا أتكلم عنكما!
ردت جوليا بابتسامة رصينة:
ــ الاختلاف طبيعي، حتى أنتِ وجاك مختلفان كالليل والنهار، ومع ذلك منسجمان.
رفعت ماريا حاجبًا بتحدٍ:
ــ تشبيه غير مقنع إطلاقًا.
لكن آرثر لم يهتم، بل نظر إلى الكرسي الذي لا يكف عن التأرجح وقال بصرامة:
ــ كفي عن هز الكرسي يا شقية، هذا عاشر كرسي نشتريه خلال أسبوع!
زفرت ماريا بغضب طفولي:
ــ لمرة واحدة فقط… نادني بـ"ماريا" أو "ابنتي" بدلًا من "شقية".
ضحكت جوليا بسخرية وهي تضع الخبز على الطاولة:
ــ بل عليه أن يناديك "مكسّرة الأشياء"، فهذه هويتك الحقيقية.
رفعت ماريا يدها احتجاجًا:
ــ لا هذا ولا ذاك!
فجأة، انحنى الكرسي للخلف وكاد أن يسقط، لكنها تداركته في اللحظة الأخيرة وضحكت بصوت عالٍ:
ــ أتعلمان ماذا؟ البارحة كادت شاحنة أن تصدمني!
تجمدت ملامح آرثر، وتوقفت يد جوليا عن التقطيع لثوانٍ قبل أن تعود لطبيعتها سريعًا.
قالت جوليا بجدية هادئة:
ــ الحمد لله أنك بخير، يا ابنتي. كم مرة أوصيتك بالحذر؟ التهور لا يليق بك.
أضاف آرثر ببرود أشد:
ــ لا تركضي ولا تلعبي أثناء عبور الشارع، يا شقية.
وأخيرًا وضعت جوليا الإفطار أمام ابنتها وقالت:
ــ كلي بسرعة، سأوصلك بنفسي اليوم. والدك لديه اجتماع مهم.