ماريا الجزء 2
رنّ هاتفها فجأة، اخترق صوته الشرود الثقيل الذي كانت غارقة فيه. ارتجفت ماريا قليلاً قبل أن تلتقطه وتنظر إلى الشاشة... كان اسمي.
أجابت بنبرة هادئة:
ـ مرحبًا، جاك.
شعرتُ براحة غامرة حين سمعت صوتها أخيرًا. كنت أذرع الغرفة جيئة وذهابًا، يدي على خاصرتي، وكأنني أبحث عن مخرج وهمي. قلت بصوت دافئ:
ـ كنت أفتش عنك في الرسائل... ثم اختفيت فجأة.
ترددت لحظة قبل أن تجيب:
ـ آه... نعم. فقط شعرت بالملل قليلًا.
عرفت فورًا أنها لم تكن صادقة. أنا أعرف صوتها جيدًا: أعرف متى تضحك حقًا، ومتى تتظاهر. ومع ذلك، آثرت الصمت، متيقنًا أنها ستبوح بما يثقل قلبها من تلقاء نفسها.
ظلّت صامتة لبرهة، ثم همست بصوت متردّد:
ـ جاك... هل سبق أن شعرت أن هناك شيئًا موجودًا... لكنك لا تفهمه مهما حاولت؟
ابتلعت سؤالي للحظة، ثم أجبتها بنبرة ثابتة:
ـ أحيانًا، نعم. لكن ليس كل شيء يجب أن نفهمه دفعة واحدة، ماري... بعض الأمور تحتاج وقتًا كي تكشف نفسها.
خفضت رأسها قليلًا، وصوتها انكسر وهي تقول:
ـ أمي... عادت لتكرار ما تفعله كل ليلة. في التوقيت نفسه... الطبق نفسه... الصمت نفسه. أبي دخل المطبخ فجأة، كان غاضبًا، لكن بدا أيضًا... محطمًا. ثم أخذها إلى غرفتهما.
زفرت ببطء، وأردفت:
ـ جاك، أعتقد أن أمي تعاني من مرض نفسي... ربما انفصام. هما لا يخبرانني شيئًا. لا شيء سوى هذا الفراغ.
تأملت شاشة هاتفي بصمت. كنت أعرف الحقيقة، لكن لا يمكنني البوح بها. لا أبدًا.
فقلت أخيرًا بنبرة حاولت أن أجعلها هادئة مطمئنة:
ـ ماري... لا أظن أن والدتك مصابة بانفصام. ربما هي فقط مرهقة من العمل... ألسنا جميعًا نمر بأوقات نتصرف فيها بغرابة؟ تذكّري كيف كنتِ حين أُغلق مطعمكِ المفضل فجأة.
ضحكت بخفة، ضحكة قصيرة لكنها صادقة:
ـ كنت على وشك إقامة جنازة رسمية.
ابتسمتُ:
ـ تمامًا. إذن لا تحكمي على والدتكِ بسرعة. ربما ما تحتاجه فقط هو بعض المساحة... أو ليلة هادئة. لا تدعي الأفكار السوداء تسرق ليلتكِ.
ساد صمت قصير، ثم قالت بصوت أهدأ:
ـ سأخرج إلى الشرفة قليلًا... أحتاج بعض الهواء.
ـ حسنًا. لكن ارتدي سترة، الجو بدأ يبرد.
ـ حاضر أيها الجد العزيز.
ضحكنا معًا قبل أن تُنهي المكالمة.
وقفت ماريا وسارت بخطوات بطيئة نحو الشرفة. الليل كان قد تمدد فوق المدينة، والنجوم تناثرت في السماء مثل وعود قديمة تنتظر من يفي بها. وقفت هناك، تحدّق في البعيد، تشعر برابط غامض بينها وبين هذا المكان... كأن الوقوف تحت تلك النجوم يحمل سرًا تعرفه روحها دون عقلها.
لكنها لم تكن تعلم... أن بين ظلال أشجار الحديقة، كان هناك رجل يراقب بصمت. ملامحه مموهة بالعتمة، في يده جهاز اتصال صغير ينقل كل ما يراه. جسده ساكن، أنفاسه محسوبة، وعيناه لا ترمش.
تمتم بصوت بالكاد يُسمع:
ـ العاصفة تقترب...