هي أو العالم - ماريا - بقلم MARINE | روايتك

اسم الرواية: هي أو العالم
المؤلف / الكاتب: MARINE
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: ماريا

ماريا

في مكان آخر... كانت ماريا تجلس في غرفة المعيشة، مسترخية فوق الأريكة، تسند ظهرها إلى وسادة ناعمة. أمامها وُضعت فوضى صغيرة من الوجبات الخفيفة؛ فشار متناثر في وعاء زجاجي، قطع بسكويت نصف مأكولة، وعلبة عصير تُترك مفتوحة بجانب الهاتف الذي بين يديها. كانت تضحك بخفة، بين ضغطة وأخرى على الشاشة، بعينين تتوزعان بين ضجيج المحادثة وبين الألوان المتبدلة على شاشة التلفاز. لكن عند الساعة 11:10 تمامًا... انطلق دوي الساعة الكبيرة، صوتها الأجوف كأنه يخرج من باطن البيت، يرنّ في الجدران ويتردد داخل صدر ماريا حتى بعد أن توقفت عقاربها عن الحركة. تجمدت ابتسامتها لوهلة، وضعت الهاتف إلى جانبها ببطء، ثم رفعت رأسها نحو الدرج. كان هناك صوت خطوات... خطوات ناعمة، مترددة، ومع ذلك مألوفة إلى حد القشعريرة. وظهرت أمها. لكنها لم تبدُ أمًا في تلك اللحظة، بل كأنها شبح ضائع خرج من عالم آخر. شعرها مبعثر قليلًا، وبشرتها الشاحبة فقدت بريقها منذ زمن بعيد. تحت عينيها ترسخت هالات سوداء، مثل ندبة قديمة تأبى أن تلتئم. لم تتحرك الأم سوى بخطوات هادئة، كأنها تمشي داخل حلمٍ لا يريد أن ينتهي. جلست ماريا في مكانها، ساكنة كتمثال، تحدّق في باب المطبخ المفتوح. كان بإمكانها رؤية كل حركة، كل تفصيل، لكنها لم تسأل، لم تجرؤ حتى على إزاحة الوسادة من خلف ظهرها. الأم فتحت خزانة البهارات، بحركة رتيبة كأنها تؤدي طقسًا محفوظًا منذ قرون. أخذت التوابل واحدًا تلو الآخر، رتّبتها بدقة، ثم سحبت طنجرة كبيرة، ملأتها بالماء، أشعلت النار. بعد لحظات، وضعت على الطاولة طبق الأرز، واللحم المفروم، والخضروات المقطّعة. كل شيء يسير بنفس الترتيب، بنفس المقادير... لتصنع الوجبة ذاتها: لازانيا الجبنة الحارة. الساعة تجاوزت الحادية عشرة والنصف. ماريا تعرف... أمها لن تأكل منها. لم تأكل أمس. ولا الليلة التي سبقتها. ومع ذلك، كل ليلة، تعود لتصنعها. شعرت ماريا بغصّة مبهمة في حلقها، كأن روحها تعترض على مشهدٍ لا تفهم سببه. وفجأة، اخترق الصمت صوت منخفض، جاف، رجولي: ــ جوليا... التفتت ماريا ببطء، فرأت والدها واقفًا عند طرف الممر المؤدي إلى المطبخ. كان يرتدي بدلته الرمادية الداكنة، ربطة عنقه مفكوكة، وعيناه أكثر إنهاكًا مما اعتادت أن تراهما. وقف للحظة يحدّق بزوجته، ثم تقدّم بخطوات ثقيلة، كأن كل خطوة تحمل ثقل سنوات كاملة. اقترب حتى صار خلفها مباشرة، وقال بصوت خافت يحمل رجاءً متعبًا: ــ جوليا... لا تفعلي هذا مجددًا. لكنها لم ترد. لم تلتفت. اقترب أكثر حتى صار خلفها مباشرة، وصوته يخرج متكسّرًا، بالكاد يحمل نفسه: "مرت ست سنوات يا جوليا... لا يمكننا أن نستمر هكذا، هذا... لن يعيد شيئًا." جلست جوليا على الكرسي كتمثال ساكن، أمامها صحن اللازانيا بالجبنة الحارة الذي لم تُمسّه يدها. ببطء رفعت رأسها إليه، والتقت نظراتهما لأول مرة. في عينيها كان شيء مكسور، هشّ، غارق في وجع لا ينتهي. همست بصوت متقطّع: "هذا فقط... يخفف عني قليلًا." ثم انفجرت بالبكاء دفعة واحدة، بكاء عارٍ، موجع، كأن سنوات من الصمت تكسّرت في لحظة. اقترب زوجها أكثر، قبض على يدها بحزم وكأنّه يحاول أن يردّها من حافة هوّة مظلمة. من بعيد، كانت ماريا تراقب. قلبها يخفق بشدة، كأنها تسمع ضرباته لأول مرة. تسمّرت مكانها، عاجزة عن الحركة، فيما والدها يسحب أمها بخطوات ثقيلة خارج المطبخ. غرق البيت في سكون خانق مع اقتراب عقارب الساعة من منتصف الليل. ماريا ظلت في غرفة المعيشة، ملامحها جامدة، نظراتها معلقة في الفراغ. لم تبكِ... لكن السكون الذي لفّها كان أثقل من أي دمعة. رفعت عينيها نحو السقف، وكأنها تبحث عن معنى خفي، عن تفسير يربط كل شيء. شعرت بحدس غامض يضغط صدرها: هذه لم تعد مجرد عادة غريبة لأمها... ولا مجرد وجبة تُطهى كل ليلة بلا سبب. هناك شيء أكبر... أعمق... سرّ موجع يُخفونه عنها.