الفصل الأول
---
✦ الفصل الأول: جمرات البداية
الليل يزحف على الحيّ الشعبي ببطء، يبتلع الأضواء القليلة ويترك الأزقّة غارقة في العتمة. جدران متشققة، بيوت متلاصقة تكاد تختنق من ضيق المكان، وأصوات متقطعة تروي معاناة الفقر.
في غرفة صغيرة تتسلل إليها رائحة الرطوبة، جلست "ليان" أمام والدتها المريضة، تحاول أن تخفي دموعها وهي تعدّ النقود القليلة التي جمعتها من عملها في محل للخياطة.
قالت بصوت متهدج:
– ليان: "ماما… ثمن الدواء أصبح أغلى، وهذه النقود بالكاد تكفي لأيام قليلة."
– الأم: بابتسامة متعبة: "لا تقلقي يا ابنتي، وجودك بجانبي هو الدواء الذي أحتاجه."
لكن ليان كانت تعلم أن هذه الكلمات مجرد عزاء فارغ. المرض كان يفتك بوالدتها ببطء، وهي عاجزة عن إنقاذها. لم تعرف الفتاة في حياتها شيئاً أقسى من الفقر سوى النار… تلك التي التهمت بيتهم قبل عشرة أعوام. ما زالت تذكر صرخات أبيها وهو يحاول إنقاذها، ثم سقوطه بين ألسنة اللهب. منذ ذلك الحين صار الخوف من النار يطاردها في أحلامها ويشلّها في يقظتها.
---
على الجانب الآخر من المدينة، كانت الصورة مختلفة تماماً. أبراج شاهقة، سيارات فاخرة، وأضواء النيون التي تعكس وجوهاً لا تعرف سوى النفوذ والمال. وسط هذا العالم يقف اسم واحد يثير الرهبة قبل الإعجاب: آدم الرياشي.
شاب في السابعة والعشرين، ورث عن والده إمبراطورية من الشركات، لكنه وسّعها بعقله الحاد وطموحه الذي لا يرحم. كان في نظر الناس رجلاً ناجحاً، وفي نظر خصومه كابوساً لا يزول. لم يعرف الرحمة في حياته، وكان يرى أن الكبرياء سلاح، والشك حصن لا يُخترق.
في تلك الليلة، كان آدم يحضر حفلاً ضخماً في فندق فخم. ارتدى بدلة سوداء تزيد من وقاره، بينما راح يحيي رجال الأعمال ببرود. اقترب منه شقيقه الأصغر "مروان"، الذي يختلف عنه في كل شيء.
– مروان: "آدم، سمعت أن فارس الخطيب يحضّر لمكيدة جديدة ضدك."
– آدم: بابتسامة ساخرة: "فارس… ذلك الرجل لا يتعلم. يظن أنه قادر على هزيمتي، لكنه ينسى أنني ألعب بالنار ولا أحترق."
لم يكن يعلم أن النار هذه المرة لن تحرقه وحده، بل ستجرّ فتاة بريئة إلى جحيمه.
---
قبل أيام قليلة، اضطرت ليان للعمل في مطعم صغير إلى جانب عملها في الخياطة. كانت تخدم الزبائن بخجل، تحاول أن تخفي ضعفها خلف ابتسامة بسيطة.
هناك، التقى بها "فارس الخطيب"، رجل أربعيني أنيق المظهر، لكن في عينيه بريق مكر لا يخفى. لمحها وهي تتنقّل بخفة بين الطاولات، فابتسم ابتسامة ذات مغزى.
– فارس: "ما اسمك يا صغيرة؟"
– ليان: بتردد: "ليان…"
– فارس: "اسم جميل… وجه بريء يشبه وجهاً فقدته منذ زمن."
لم تفهم قصده، لكنها شعرت بالقلق من نظرته المريبة. أنهت خدمتها وغادرت على عجل، غير عالمة بأنه قد التقط صوراً خفية لها، ينوي أن يستغلها في مؤامرته ضد آدم.
---
بعد أسبوع، وبينما كانت ليان تعود إلى بيتها حاملة كيساً صغيراً من الخضار، توقفت أمامها سيارة سوداء فاخرة. انخفضت النافذة ليطلّ منها رجل بملامح صارمة، عيناه باردتان كالجليد… إنه آدم الرياشي.
– آدم: "أأنتِ ليان مراد؟"
– ليان: مرتبكة: "نعم… من حضرتك؟"
– آدم: بسخرية: "أنا الرجل الذي ساقك القدر إليه لتدفعي ثمن خيانتك."
لم تفهم ما يقصد، وقبل أن تطرح سؤالاً، ترجل رجاله من السيارة وأجبروها على الدخول. صرخت، حاولت المقاومة، لكن أحداً لم يجرؤ من أهل الحي على التدخل.
---
في قصره الفخم، جلست ليان ترتجف وسط غرفة واسعة تلمع بالرخام والذهب. كان المشهد يرهقها أكثر من الفقر الذي اعتادته؛ لم يخفها غنى المكان، بل هيبته هو.
ألقى أمامها ملفاً فتحه ببطء، ظهرت فيه صورها مع فارس في المطعم.
– آدم: "أكنتِ تظنين أن ألاعيبك ستظل خفية؟ اقتربتِ من عدوي، وتظاهرتِ بالبراءة. لكن حقيقتك ظهرت."
– ليان: بصوت باكٍ: "لا… لم أفعل شيئاً! لقد كلّمني هو رغماً عني، لم أرتكب خطأ."
– آدم: بصرامة قاطعة: "اسكتي. براءتك لا تعني شيئاً عندي. ستدفعين ثمن خيانتك بطريقة لم تتوقعيها."
أشعل ولاعة صغيرة، وترك شعلة النار تلمع أمامها على الطاولة. ارتجفت ليان بشدة، انكمشت في مكانها كطفلة مذعورة، وشحب وجهها حتى كاد يفقد لونه.
راقبها بدهشة، ثم ابتسم ببرود:
– آدم (في نفسه): "إذن… تخافين من النار. جميل… سيكون هذا سلاحي ضدك."
ثم اقترب منها وقال بلهجة لا تحتمل النقاش:
– آدم: "غداً صباحاً، ستكونين زوجتي. زواجاً بلا حب، بلا رحمة… زواج انتقام."
شعرت ليان أن الأرض تهتز تحت قدميها، وكأنها تُساق إلى مصير مجهول لا نجاة منه.
---
✦ نهاية الفصل الأول ✦