باب بين عالمين
> "المرايا لا تعكس كل شيء…
أحيانًا، تحتفظ بما لا يجب أن يُرى."
---
لم تكن المرآة تزعجه فقط عندما ينظر إليها.
بل كانت تُلاحقه حتى وهو مغمض العينين.
في صمته، في أحلامه، في تفاصيل وجهه التي بدأت تفقد وضوحها له.
**
ليلةٌ هادئة، على غير عادة البيت.
أو هكذا ظنّ سنان.
استفاق فجأة، كأن شيئًا داخله أيقظه عنوة.
لم يسمع صوتًا… بل إحساسًا.
كأن أحدهم يهمس من بعيد:
> – "افتح… فقط لحظة واحدة."
---
في صباح اليوم التالي، جلس مع جدته على مائدة الفطور.
سألها فجأة، دون مقدمة:
– "هل كان أبي يرى أشياء… غير مألوفة؟"
لم ترد مباشرة. توقفت عن تقليب ملعقتها، وحدّقت في فنجان الشاي.
قالت بعد صمتٍ ثقيل:
– "أبوك… رأى أكثر مما يجب.
ولم يعد كما كان."
رفع عينيه نحوها، لكنه لم يطرح السؤال التالي.
كان يعلم… أنها تعرف شيئًا.
ولكنها لن تقول الآن.
حين غادرت، تمتمت بصوت خافت وهي تمرّ قرب الباب:
– "إياك أن تفتح ما أغلقه هو بنفسه."
---
لكن سنان، ومنذ طفولته، لم يكن يعرف كيف يتجاهل الأسئلة.
في تلك الليلة، صعد إلى العلية.
الهواء هناك لم يكن طبيعيًا.
بارد… جاف… كأنك دخلت غرفة تنفّست آخر مرة منذ سنوات.
اقترب من المرآة ببطء.
لم يكن خائفًا، بل مشدودًا إليها كأن بينهما وعدًا قديما لم يُكمل.
**
سحب الغطاء.
المرآة لم تعكس صورته.
بل عكست شيئًا آخر:
ضوء يتجمّع ببطء في نقطةٍ وسط الزجاج.
دوامة صغيرة بدأت تدور، كأن الزجاج نفسه يتموّج.
لم يلمسها مباشرة، لكنه شعر أنها تناديه.
ثم… صوت آخر، ليس من خارج، بل من داخله:
> – "مفتاحك هو السؤال.
افتح… لتعرف من أنت."
**
لم يفكر.
مدّ إصبعه.
ولمّا لمس سطح المرآة…
لم يكن زجاجًا.
كان ناعمًا، متحرّكًا، كأن يده تغوص في ماء دافئ.
وفي لحظةٍ… لم يعد في العلية.
---
🌌
كان المكان غريبًا.
أرض شفافة، تحتها لون رمادي حيّ، كأن الظلّ نفسه ينبض.
جدران من زجاج سائل، فيها تنعكس صورٌ متقطعة من حياته:
طفولته، والدته وهي تضحك، والده يحمل كتبًا، غرفته… والعلية.
ثم صورٌ لا يعرفها:
باب يُغلق بقوة، ظلّ يزحف على السقف، عين سوداء تفتح ببطء، غرفة تحترق بلا نار.
**
كل شيء هادئ… لكن أعصابه تصرخ.
همس داخلي بدأ يتكرر:
> – "هنا لا ترى الحقيقة…
بل تتذكّرها."
**
في نهاية الممر، رأى مرآة أخرى.
اقترب منها.
لكنها لم تعكسه هو…
بل شخصًا يشبهه تمامًا، يقف في الوضع ذاته.
لكن هناك اختلافات:
ندبة على الجهة الأخرى، عينان سوداوان، وفي منتصف جبهته… دائرة حمراء صغيرة، تنبض ببطء، كأنها عين ثالثة تتنفس.
رفع "الآخر" يده ببطء، ووضعها على الزجاج.
ثم ابتسم… وقال بصوت يشبه صوت سنان، لكن أعمق:
> – "أخيرًا… وصلت."
**
في اللحظة التالية، اختفى كل شيء.
وسنان فتح عينيه في سريره.
لكنّه لم يكن يحلم.
على قماش المرآة المغطّاة…
كانت هناك بصمة كفّ واضحة.
من الداخل.
مرّت سنوات…
وسنان، الآن، لا يخاف المرايا.
لكنه لا يعلّقها.
وفي أحد الأيام، زار طفلٌ صغيرٌ بيته،
ركض في الممر، صعد العلية،
ثم ناداه:
> "عمّو!
فيه مرآة فوق…
بس ليش هيك تبتسم؟"
**
سكت سنان.
صعد ببطء.
وجد الغطاء في مكانه… لكنه يتحرك بخفّة.
كأن أحدًا في الداخل... ينتظر من جديد.