العين الثالثة
> "إن كنتَ ترى نفسك بعينيك…
فمن يراك عندما تغلقهما؟"
لم يذهب سنان إلى العلية مجددًا.
ولم يعد يفتح المرايا، حتى الصغيرة منها.
لكنه بات يشعر أن وجود المرآة لا يشترط أن تراها…
أحيانًا، تكفي أن تشعر بها.
ومنذ تلك الليلة، أصبح ينام على صوت غريب لا يسمعه سواه.
كأن هناك شخصًا يهمس خلف الجدار…
كلمات لا تُفهم، ولا تُقال، فقط تُشعَر.
---
في صباح بارد، جلس أمام دفاتره القديمة يحاول أن يرسم.
رسم وجهًا… أو على الأقل، كان يحاول.
لكن كل مرة ينهي فيها الرسم، يرى شيئًا غريبًا:
العينان لا تتشابهان.
الابتسامة مائلة بطريقة غير طبيعية.
الوجه يبدو… مألوفًا، لكن لا يشبهه تمامًا.
مزّق الورقة.
ثم أخرى.
وفي المرة الثالثة، بعدما أنهى الرسم…
نظر إليه.
فشعر بشيء يرتجف في داخله.
العين اليسرى في الرسم… كانت مفتوحة أكثر من اليمنى.
وفي داخلها، دائرة صغيرة سوداء،
كأن هناك عينًا أخرى مخفية… تنظر إليه من الورقة.
---
في المساء، سألته جدته فجأة، دون مقدمات:
– "هل كل شيء على ما يرام؟"
ارتبك. لم يكن معتادًا على اهتمامها.
قال:
– "نعم… فقط أحلام مزعجة."
ردّت بهدوء:
– "أحيانًا، العقل لا يحلم… بل يتذكّر."
نظر إليها مطولًا، لكنها كانت منشغلة بتقليب أوراق قديمة، كأنها لم تنتبه لما قالت.
---
في تلك الليلة… لم يحلم.
لكنه استيقظ في مكان غير غرفته.
كان في العلية.
واقفًا أمام المرآة.
لا يدري كيف وصل، ولا متى صعد.
لكن الأغرب من ذلك…
أنه لم يكن وحيدًا.
خلفه، في المرآة، كان يقف صبيٌّ آخر.
في عمره… لكن ملامحه ليست نفسها.
كانت الندبة على الجهة اليمنى هذه المرة.
وكانت هناك عين ثالثة…
صغيرة، سوداء، في منتصف جبهته، تفتح ببطء.
ثم قال الصبي الآخر:
"ما تراه أنت… ليس ما أراه أنا."
**
صرخ سنان، فسقط أرضًا.
فتح عينيه.
وجد نفسه في سريره، يتصبب عرقًا.
لكن هناك شيء لم يكن في مكانه.
رأسه يؤلمه، كأن شيئًا ما داخله يتمدد.
ذهب إلى الحمام.
نزع القماش عن المرآة بتردد.
نظر إلى وجهه…
كل شيء طبيعي.
إلا شيء واحد:
في منتصف جبهته…
أثر دائري صغير، أحمر، كأنه جرح شُفي حديثًا.
---
وهم؟
ربما.
لكن قلبه يعرف…
هناك شيء يرى أكثر مما يُقال.
شيء استيقظ الآن.
وسنان بدأ يشكّ،
أن كل مرآة… ليست سوى باب مفتوح،
ينتظر من يعبره أولًا.