انا لست انا - شيء خلف الزجاج - بقلم soundous - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: انا لست انا
المؤلف / الكاتب: soundous
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: شيء خلف الزجاج

شيء خلف الزجاج

كان الانتقال للعيش في بيت جدّته قرارًا اضطراريًا. فبعد اختفاء والديه، لم يبقَ من العائلة أحد سواها. استقبلته بوجه متعب، بالكاد نطقت اسمه. منذ وصوله، بدا البيت وكأنه لا يرحّب، لا به… ولا بأي زائر. البيت كبير، قديم، تغطي زواياه رائحة العتق والسكوت. الستائر كثيفة، الضوء فيه خافت حتى في وضح النهار، كأن الجدران تخشى أن تُفضح. سنان لم يكن يخاف من الظلام، ولا من الصمت. لكن في هذا المكان… كان هناك شيءٌ مختلف. لم يكن يعرف ما هو، لكنه شعر به منذ اللحظة الأولى. الجدة لا تتحدث كثيرًا. تضع له الطعام، تتابع أخبار المساء، ثم تنسحب إلى غرفتها دون كلمة. في اليوم الثالث من إقامته، وبينما كان يتجوّل في الممرات القديمة، رأى بابًا خشبيًا صغيرًا في نهاية الممر العلوي، أعلاه سلّم ضيق يؤدي إلى العلية. اقترب. مدّ يده نحو المقبض، لكن يد الجدة أمسكت به فجأة من الخلف. قالت بصوت منخفض دون أن تنظر إليه: "لا تصعد إلى هناك. المكان مليء بالغبار والأشياء المهجورة." هزّ رأسه، لكنه لم يرد. في الليلة ذاتها، لم يستطع النوم. هناك شيء في العُلّيّة ناداه بصمتٍ لا يُسمع. وفي صباح اليوم التالي، صعد. كان الدرج يئن تحت قدميه، والغبار يتصاعد من بين الألواح الخشبية. فتح الباب بهدوء، ودخل. العلية أشبه بمخزن للذكريات المنسية. صناديق مغلقة، كتب ، ملابس قديمة، صور نصف محترقة. لكنه لم يلتفت إلى كل ذلك. ففي الزاوية، تحت غطاء قماشي باهت، رآها. مرآة طويلة، بإطار خشبي محفور بدقّة، مغطاة بالكامل بالقماش الرمادي. اقترب. يده ترددت، لكنها امتدت. سحب الغطاء ببطء. سُحب الغبار معه، كأن شيئًا قديمًا استيقظ. وقف أمامها. انعكاسه واضح… وجهه شاحب قليلًا، شعره مبعثر. كل شيء بدا طبيعيًا… للحظة. ثم… شعر بها. كان الأمر خفيفًا، كأن نظرة الانعكاس لا تتبع عينيه، بل تسبقه. رفع سنان يده اليمنى… الانعكاس رفع اليسرى. تراجع خطوة… الانعكاس ظلّ واقفًا، لا يتزحزح. ثم، بلا سبب، ابتسم الانعكاس. وسنان… لم يفعل. جمد الدم في عروقه. شعر بشيء بارد يسري في عنقه كأن أحدهم يراقبه من الخلف. حاول إقناع نفسه: "تعب… ضغط… أوهام…" لكنه لم يصدّق. بلا وعي، أغلق القماش على المرآة بسرعة، وخرج من العلية راكضًا، أغلق الباب خلفه، وأسنده بكرسي. دخل غرفته، أغلق الباب، جلس على سريره، يحدّق في الحائط دون أن يرمش. "أنا بخير… أنا فقط متعب…" لكن عقله لم يهدأ. في المساء، دخل الحمّام وغسل وجهه. نظر في المرآة الصغيرة فوق المغسلة. انعكاسه كان طبيعيًا… هذه المرة. لكن هناك شيء لم يكن موجودًا من قبل. ندبة صغيرة… تحت عينه اليسرى. مدّ يده ليتفقدها… شعر بها. كانت حقيقية. لكنه متأكد أنها لم تكن موجودة صباحًا. تراجع ببطء، قلبه يدقّ بعنف. من أين جاءت؟ هل خدش نفسه؟ لكن… لماذا لا يذكر؟ ولماذا انعكاسه في مرآة العلية لم تكن فيه الندبة؟ أمسك حافة المغسلة، كأنه يحاول التمسك بالحقيقة. هناك شيء خلف الزجاج… شيء لا يريد أن يبقى مجرد انعكاس. ومنذ تلك اللحظة، صار سنان يغطّي المرايا في غرفته. أطفأ الأنوار قبل أن ينظر لأي سطح يعكس وجهه. لكنه لم يستطع نسيان تلك اللحظة. الابتسامة. والندبة. والصمت… الذي لايشبه الصمت