المنزل الجزء 2
كان صيفًا صافياً، والسماء بلا غيوم إلا من بقايا بياض خفيف يذوب في زرقتها الواسعة. أشعة الشمس كانت تتسلل بين أغصان الشجرة العتيقة التي اتخذناها ملجأً لنا، تنثر ظلالاً متراقصة على العشب الأخضر تحتها. جلست متكئًا بظهري على جذعها السميك، كتاب التاريخ مفتوح بين يدي.
عيناي تتابعان السطور، لكن عقلي كان في مكان آخر... كنت أحاول أن أغرق في صفحات الممالك القديمة، أن أشتت نفسي، أن أهرب من فراغ أمي الذي يسكنني منذ رحيلها. لكن حتى الكتب لم تكن قادرة على إنقاذي في تلك اللحظة.
فوقي تمامًا، كانت ماري تتدلى من غصن منخفض، رأسها للأسفل، ساقاها ملتفتان حول الغصن بمهارة طفلة، وشعرها القصير يتمايل في الهواء كشلال حريري. كانت تحدق بي بصمت، بنظرتها المشاكسة التي كانت تعرف كيف تثيرني وتشتتني في آن واحد.
لم أحتمل أكثر، فتمتمت بنبرة حاولت جعلها هادئة، لكنها خرجت مرتبكة:
ـ "ماري... توقفي عن التحديق بي، وانزلي من هناك قبل أن تسقطي. هذه الحركات الجنونية ليست فكرة جيدة."
قهقهت بخفة، ضحكة صغيرة كسرت صمت الطبيعة من حولنا. تلك الضحكة وحدها كانت كفيلة بترميم شرخ قلبي، كانت دائمًا ما تفعل. ثم قالت بصوتها العذب الذي يشبه رائحة الأرض بعد المطر:
ـ "جاكي، أنت عجوز أكثر من صاحب المكتبة قرب المدرسة. جئنا إلى هنا لنستمتع، لا لتقرأ عن ممالك ماتت قبل ألف سنة!"
زفرت وأغلقت الكتاب بعصبية خفيفة، متجنبًا النظر إليها كي لا ترى احمراري، ورددت بحدة مصطنعة:
ـ "قلت لك مئة مليون مرة لا تناديني (جاكي)، ولا..."
لكنها لم تدعني أكمل، انقلبت في الهواء برشاقة، هبطت أمامي بخفة قطة صغيرة، ثم اقتربت مني بخطوات طفولية وابتسامة واسعة، نظراتها البريئة تمزج السخرية بالدفء:
ـ "إذًا هذه هي المرة مئة وواحد مليون. وعلى أية حال... أنت تناديني (ماري)، تحذف الألف من اسمي. الجميع يناديني ماريا إلا أنت... لكنني لا أعترض."
لم أنطق بكلمة. كان قلبي يطرق صدري كطبول مكتومة، بينما ماريا مدّت يدها بخفة، وسحبت الكتاب من يدي دون أن تطلب إذنًا. تأملت غلافه قليلًا ثم جلست بجانبي، قريبة بما يكفي لأسمع أنفاسها وهي تتلو بعض الجمل بصوت منخفض، بلا اهتمام حقيقي وكأنها تقلدني فقط.
أما أنا، فقد أطلقت بصري نحو البحيرة اللامعة تحت أشعة الشمس. انعكاس الضوء على سطح الماء جعلني أغرق في ذكرى بعيدة… أمي. لقد علمتني التأمل في الطبيعة، والجلوس معها طويلًا في صمت كان يمنحني راحة وسكينة. تلك اللحظات صارت من الماضي، ليت تلك الأيام تعود يوما وتعيد أمي معها......
قطعني صوت خطوات ماريا، وقد نهضت بخفة كنسمة صباحية. دارت حولي بحركاتها المشاغبة، قبل أن ترفع الكتاب عاليًا بين يديها بابتسامة واسعة ونبرة طفولية متحدية:
ـ "لن أعيد هذا الكتاب لك أبدًا، لقد أصبح من نصيبي!"
رفعت حاجبًا وتنهدت، ثم نهضت ببطء من على العشب وتقدمت نحوها:
ـ "لا بأس… بقيت لي بضع صفحات فقط. لكن صدقيني، أشفق على الكتاب، لأنه سيُدفن في النسيان بين يديك."
قهقهت ماريا بخفة، ولوحت بالكتاب وهي تخرج لسانها بمرح ساخر، ثم ركضت مبتعدة:
ـ "هيا، أمسك بي إن استطعت!"
لم أتمالك نفسي، ركضت خلفها وأنا أضحك، محاولًا التظاهر بالانزعاج:
ـ "ماري، توقفي! توقفي عن…"
وفجأة، تعثرت بحجر مخفي وسط العشب، وسقطت أرضًا على وجهها. تطاير الكتاب من يدها، وطار كطائر مكسور الجناح قبل أن يهوي مباشرة نحو البحيرة. اتسعت عيناي بذعر، وهرعت نحوها. أمسكتها من كتفيها ورفعتها بذراعي المرتجفتين، نبرة قلقي فضحتني:
ـ "يا إلهي ماري! هذا ما كنت أخشاه… لذلك طلبت منكِ التوقف، لكنكِ لا تعرفين كيف تصغين أبدًا!"
رفعت ماريا رأسها وقالت:
"الكتاب… إنه يغرق!"
تنهدت بارتياح لكونها بخير، ثم نظرت إلى البحيرة فرأيت الكتاب يطفو بثقله نحو الأعماق. اندفعت فوراً، غصت بذراعي داخل الماء، وأخرجت الكتاب. كان مبتلاً، لدرجة شعرت وكأن الأحرف فيه ذابت مع الماء.
حدقت فيه طويلاً… لم أكن غاضباً، بل محبطاً. تمتمت بخفوت:
"لقد اشتريته فقط البارحة… والآن أصبح هكذا."
اقتربت من ماريا مجدداً، أخفيت خيبتي بابتسامة مطمئنة وقلت برقة ممزوجة بالسخرية:
"لا بأس، سأشتري واحداً آخر لاحقاً. على أي حال، لم أكن لأتوقع أن يبقى سليماً في حوزتك. المهم… هيا لنلعب."
وضعت الكتاب المبتل تحت جذع الشجرة، بينما ماريا وقفت تنظر إليّ بصمت ثم تمتمت:
"انتظر هنا، سأعود حالاً."
قبل أن أستوعب كلماتها، انطلقت راكضة كأن مغناطيساً يشدها إلى الأمام. جلست تحت الشجرة أراقبها بعينين متأملتين.
مرت نصف ساعة، وعادت ماريا، واقفة أمامي، مدّت لي دفتراً أنيقاً، لونه أبيض، يحمل دفء خاص.
"تفضل، تعويض عن كتابك الغارق."
أمسكته، فتحت الصفحات، لكنها كانت فارغة بالكامل. رفعت حاجبي بدهشة:
"لكن… لا شيء مكتوب هنا؟"
أجابت وهي تخفي يديها خلف ظهرها، وابتسامتها المشرقة لا تفارق وجهها:
"إنه دفتر مذكرات… عليك أن تغيّر قليلاً، جرّب أن تكتب فيه عن مغامراتنا أنا وأنت. بالمناسبة… في الصفحة الأولى كتبت شيئًا."
فتحت الدفتر بسرعة، وفي الصفحة الأولى، بخط غير متقن لكنه عذب كعفويتها، قرأت اسمها الكامل:
ماريا مرفل
اتسعت عيناي، وكأن شرارة كهربائية اخترقت قلبي برفق، لكنها وصلت إلى أعمق أعماقي. رفعت نظري نحوها، والنسيم يعبث بخصلات شعرها، فيما خيوط الشمس الأخيرة تلوّن السماء بألوان ساحرة، وهي تبتسم تلك الابتسامة الواسعة التي أسرت روحي منذ أول لقاء.
لقد أعطتني دفتر مذكرات… لكنها لم تكن تعلم أن كل صفحة فيه ستُكتب عنها.
ومنذ ذلك اليوم، صار قلمي يخصّها وحدها.
كل ليلة…
وكل عام، في اليوم نفسه من الشهر ذاته، كنت أشتري دفترًا جديدًا بنفس الغلاف الأبيض، وأكتب في أول صفحة منه كلمة واحدة:
ماريا مرفل
ثم أملأ باقي الصفحات بكلمات لا يقرؤها أحد… سوى قلبي.