هي أو العالم - المنزل - بقلم MARINE | روايتك

اسم الرواية: هي أو العالم
المؤلف / الكاتب: MARINE
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: المنزل

المنزل

عدتُ إلى المنزل بخطوات بطيئة، يثقلها ظلّ من الألم حاولت إخفاءه خلف ابتسامة هادئة. كنتُ أحمل "تارا" بين ذراعي، متشبثة بي بقوة، بينما يدي الأخرى تمسك كيسًا كبيرًا. سرتُ بخطى ثابتة نحو غرفة المعيشة وقلت بنبرة مازحة: ـ هيا يا تارا، طوال الطريق وأنا أؤكد لكِ أن ما حدث مجرد حادث بسيط، لا شيء يدعو لكل هذا القلق. لكنكِ منذ أن رأيتِ الضمادات على أنفي ويدي وأنتِ تبكين وتصرخين . يا إلهي! لقد جعلتِ الناس في مدرستكي يظنون أنني اختطفتكِ وأجبرتكِ على المجيء معي! كانت "تارا" تبكي بصمت، دموعها تنحدر فوق وجنتيها الرقيقتين. شدّت ذراعيها حولي أكثر، فمسحتُ دموعها بإبهامي وتنهدت متصنعًا الانزعاج: ـ رائع… يبدو أنني مضطر الآن لضرب نفسي، فقط لأني جعلتك تبكين! ظننتُ أن مفاجأة التاكو العملاق والكعكة بالفانيلا المزينة بالفراولة، مع عبوة الكولا المثلجة، ستجعلكِ تبتسمين. رفعت "تارا" عينيها إليّ، تتأرجح ملامحها بين الحزن والضحك، وقالت بصوت مرتجف: ـ أنا فقط… خفت. لا أريدك أن تموت. ابتسمتُ وربتُ على شعرها بحنان: ـ موتي؟ يا ساذجة! أنا أخوكِ القوي، لن أسقط من مجرد خدشين. ألم تقولي لي أنكِ لم تعودي طفلة؟ لكن انظري لنفسك الآن، تبكين مثل الأطفال… لم أتوقع أنكِ تحبينني وتخافين علي لهذه الدرجة! نفخت وجنتيها، عقدت ذراعيها بطفولية وقالت بجدية مصطنعة: ـ لا أحبك، لا تغتر بنفسك. انفجرتُ ضاحكًا، واقتربت منها هامسًا: ـ حسنًا، سأتظاهر بأني صدقتكِ… لكنني أحبكِ، أحبكِ مهما كنتِ عنيدة. جلسنا إلى الطاولة نأكل. قطعتُ الصمت بسؤال: ـ كيف كان يومكِ الأول في المدرسة؟ تنهدت "تارا"، وبدأت تعبث بالكعكة وتغمسها في الكولا كما لو كانت تخترع وصفة سحرية: ـ كان مملًا كالمعتاد. حفل استقبال سخيف… والتقيتُ مجددًا بعدوي اللدود. رفعت حاجبي وسألتها بفضول: ـ وماذا قال لكِ هذه المرة؟ أجابت بتحدٍّ: ـ قال: "عام جديد يعني درجات جديدة!" فأجبته: "عام جديد… يعني تغيير جديد!" ضحكتُ وأنا أرتشف الكولا وقلت مشجعًا: ـ يبدو أن بينكما منافسة حقيقية. اعتبريه خصمًا شريفًا، لا عدوًا. أنا واثق أن أختي الصغيرة الذكية ستتفوق. لكن تذكري، حتى لو لم تفوزي، الأهم أن تبذلي جهدكِ، أن تجربي، وأن تتعلمي من أخطائكِ. هذا ما يجعلني فخورًا بكِ دائمًا… فأنتِ طفلتي المدللة، مهما حدث. مددتُ يدي وربتُ على رأسها بحنان، فضحكت ببراءة. بقينا نتحدث عن تفاصيل يومنا، كل واحد منا بطريقته الخاصة. كان مشهدًا بسيطًا… منزل دافئ، طعام على الطاولة، وأخ وأخته يجتمعان في غياب الأبوين. ومع ذلك، كان هذا يكفي ليملأ المكان بالحب. بعد أن أنهيت طعامي وحديثي القصير مع تارا، سرت بخطى ثابتة نحو الغرفة التي خصصتها للتدريب. كانت أشبه بعالم صغير معزول عن بقية المنزل؛ جدرانها يكسوها صمت ثقيل، ومليئة بالأجهزة والأثقال وكيس ملاكمة يتدلى في الوسط كعدوٍ صامت ينتظر الانقضاض. مضت ساعتان ونصف، وأنا أفرغ كل ما يثقل صدري في تلك الضربات المتلاحقة. قبضتا يدي ارتطمتا بالكيس بقوة، حتى خُيِّل إلي أن كل ضربة كانت تحطم شيئًا في داخلي أكثر مما تحطم في الكيس ذاته. كان جسدي عاريًا من القميص، يتصبب عرقًا، والعرق ينساب على عضلاتي المشدودة كأنه يحاول غسل ما تراكم في أعماقي من غضب وحزن. تسارعت أنفاسي، وبدأت أشعر أن كل نفس ألتقطه أثقل من الذي سبقه. توقفت أخيرًا، وجلست على الكرسي المعدني عند الزاوية، ألهث وأحدق في الفراغ. عيناي انجذبتا لا إراديًا نحو الباب المغلق… وهناك، في لحظة خاطفة، انفتحت ذاكرتي كنافذة قديمة. رأيت طفولتي تعود إليّ: أبي واقف في وسط الغرفة نفسها، يقف أمام الكيس كجبل لا يهتز، يوجه ضرباته بصلابة الملاكم الذي لا يعرف الانهزام. كنت صغيرًا، أجلس على الأرض وأتابع بعينين تلمعان بالدهشة والإعجاب. ثم… يفتح الباب، وتدخل أمي بابتسامتها الدافئة، تحمل منشفة بيضاء وزجاجة ماء باردة. خطواتها كانت خفيفة، لكن صوتها كان يملأ الغرفة حياة. كانت تنظر إلى أبي بذلك البريق المحب الذي لا أنساه، ثم تلتفت إليّ، تداعب شعري، وتضحك ضحكتها التي كانت تشبه نسمة صيف ناعمة. أتذكر جيدًا كيف سألتني يومًا، وهي تراقب حماسي: "أتريد أن تصبح ملاكمًا مثل والدك عندما تكبر؟" ضحكتُ حينها، وأومأت برأسي بحماسة طفل يظن أن العالم كله بانتظاره. أعدت بصري إلى الباب… لكنه لم يُفتح. لم تدخل أمي، ولم يظهر أبي. لم يكن هناك سوى الجدار الصامت الذي يعيدني إلى واقعي. ابتسمت ابتسامة منكسرة، شعرت بكتفي يرتخيان بآنهزام . لم تكن هذه الغرفة هي نفسها… لم تكن تحمل الدفء ذاته، ولا الصدى الذي كان يربطنا معًا. كنت وحدي الآن. حلّ الليل بهدوئه، وكان سكون الغابة المحيطة بالمنزل يشبه تنفّسًا عميقًا للأرض، كأنها تستعد للنوم. من المطبخ تسللت رائحة الدجاج المشوي بالأعشاب إلى غرفة المعيشة، يرافقها رنين خفيف للأطباق وهي تُرتّب على الطاولة. في منتصف المائدة استقرّت صينية الدجاج الذهبي، تتلألأ قطع البطاطس المقرمشة حولها كأنها حُليّ صغيرة، تفوح منها رائحة الزعتر وزيت الزيتون. وقفت أراقب المشهد بينما كان الجوع ينهش تركيزي، أما تارا فكانت تمسك الملاعق والأشواك وتلوّح بها في الهواء كبهلوانة صغيرة تتدرّب على عرضٍ مسرحي. زفرت بتبرّم، وقلت وأنا أحدّق بها: ـ ذلك المهرج سايمون علّمك حقًا، لكننا لسنا في السيرك الآن. توقّفي قبل أن تُصيبيني أو تُصابي أنتِ. أجابت تارا بابتسامة ماكرة وعينين تلمعان بالثقة: ـ قل فقط إنك خائف من أن أفقأ عينك بأحد هذه الأشواك... هكذا تحصل على إصابتك الثالثة! لم أجادلها، بل وضعت أمامها طبقًا صغيرًا من المعكرونة، غُطّيت بطبقة من صوص الطماطم الكريمي وذابت عليها الجبنة كأنها كنز صغير يُقدَّم بحرص. توقفت تارا عن حركاتها وحدّقت بالطبق بدهشة صافية. ـ أخي... هل هذه معكرونة أم سحر؟ ابتسمتُ، ومسحتُ يدي بمنديل قبل أن أجلس بجانبها: ـ سحر خاص لكتكوتة صغيرة لا تكفّ عن الثرثرة... حتى وهي تأكل. سكبتُ لها كوبًا من عصير التفاح، ثم أضفت بنبرة خفيفة: ـ السحر يا تارا لا يحدث إلا عندما تكونين جائعة... حينها يبدو كل شيء خارقًا. رفعت رأسها نحوي وأخرجت لسانها بمشاكسة، لكن سرعان ما أمسكت شوكتها وبدأت تقطّع المعكرونة بدقّة طفلة تتعامل مع تحفة فنيّة. سكبتُ لنفسي ماءً مثلجًا وأتابعها بعينين هادئتين. ـ بالمناسبة، تركتُ شريحة كعكة الجزر جانبًا... شرط أن تنهي طبَقك أولًا. تجهمت تارا، وأطلقت تنهيدة صغيرة: ـ يا إلهي، لا تعطيني شروطًا مثل عمي! أجبتها مازحًا وأنا أرفع حاجبي: ـ إذا عندما يعود سأشتكي له منك... ودعيه يتصرف. هزّت رأسها كأنها استسلمت، لكن ابتسامتها الجانبية لم تخدعني. لجأت فورًا إلى سلاحها الثاني: الاستفزاز. ـ يا لك من مثير للشفقة... أنظر لأنفك ويدك! كلك مضروب! زفرتُ بمرح مصطنع، ثم أجبتها بصوت درامي: ـ آه نعم... لقد ضربني "سوبرمان" لأنه غار مني. انفجرنا ضاحكين، والبيت غمره للحظة ذلك الدفء الذي يجعل الحزن يتوارى خلف الجدران. الساعة العاشرة ليلاً، أغلقت حاسوبي المحمول ببطء، كما لو أنني أضع نقطة النهاية لمعركة ذهنية طويلة مع الكتب والدروس. زفرت تنهيدة خفيفة، واستسلم جسدي إلى ظهر الكرسي كمن يبحث عن لحظة راحة مؤقتة. مددت يدي إلى الدرج، وأخرجت منه دفتراً بغطاء جلدي قديم، أنيق رغم آثار الزمن عليه. كان أشبه برفيق سرّي، يحمل بين صفحاته ثِقَل أيامي وهمومي. فتحت الصفحة الأولى، وعلى رأسها كُتب بخط واضح: "ماريا مرفل". قلّبت الأوراق ببطء؛ كل سطر منظم بعناية، كل كلمة وكأنها مرسومة بدلاً من أن تكون مكتوبة، كأنني كنت أودع جزءاً من روحي في كل صفحة. عندما وصلت إلى ورقة بيضاء، توقفت لحظة. لم يكن هذا الليل مناسباً لأكتب عن ماري بعد حادثة الشاحنة… ومع ذلك، مددت يدي إلى القلم. انسكبت كلماتي بهدوء، أشبه بطقس سري لا يراه أحد. لم أقرأ ما كتبته بصوت عالٍ كما كنت أفعل دائماً، لم أشعر بالرغبة… أو ربما كنت أخشى أن أسمع ارتجاف صوتي يفضحني بين السطور. بعد أن انتهيت، أغلقت الدفتر وأعدته إلى الدرج. هناك، كانت تنتظرني خمسة دفاتر أخرى مصطفة كجنود قدامى، والدفتر الذي بين يدي كان السادس. جميعها متشابهة في اللون والشكل… باستثناء واحد. كان أسود قاتماً، قديم الحواف، شبه ممزق، ويحمل قفلاً صغيراً. عُنوانه مكتوب بخط أثقل من الذاكرة نفسها: "سنة كاملة في غرفة واحدة، وسرير واحد، ونوم بلا استيقاظ… بلا استجابة." لم أكتب ببساطة كلمة "غيبوبة"، بل سطّرت العنوان بهذا الطول، كأنني أردت أن أثقل الورق بما أثقل قلبي. عبست وأنا أحدّق فيه. تدفقت الذكريات كتيار أسود، لم أرغب أن يبتلعني من جديد. أغلقت عيني لوهلة، وهززت رأسي لطرد ذلك الطوفان من مشاعر لا تحتمل. ثم أعدت الدفتر إلى مكانه، مطبقاً عليه بقوة، كمن يغلق باباً على وحش نائم. لكن بصري وقع على آخر الدفاتر، المدفون أسفل الكومة. سحبته بهدوء، وبين يدي بدا مختلفاً… ليس لأنه أقدمها فقط، بل لأنه الأثمن. ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي، امتزجت بالحنين، حين تذكرت أنه أول دفتر حصلت عليه… هدية من ماري. لم يكن مجرد دفتر؛ كان بداية الحكاية، وبذرة كل ما كتبته بعده. أصابع يدي مرّت على غلافه برفق، وكأنني ألمس شيئاً مقدساً، فيما عادت تلك الذكرى القديمة لتضيء في ذهني… دافئة، نقية، وموجعة في الوقت ذاته.