خارج المدرسة
حين دوّى آخر جرس معلنًا نهاية اليوم الدراسي، انسبنا نحن الأربعة مع خيوط الضوء الذهبي المتسربة من الغروب نحو بوابة الخروج.
كان كريس يمشي إلى جانبي بصمته المعتاد، كتفاه مرتخيتان، وسماعتاه مغروستان في أذنيه كأنهما جزء من ملامحه الثابتة.
غير بعيد، وقفت نتاشا قرب الرصيف، تترقب السيارة السوداء الفاخرة المتوقفة أمامها. خلف المقود جلس رجل مسنّ، بملامح جامدة وملابس خدم تقليدية، يترقبها بصبر الخدم المخلصين منذ زمن بعيد.
على الجهة الأخرى، كان سايمون يقترب بدراجته الزرقاء المهترئة، يدور حولنا بحركات استعراضية لا تليق بمدى تهالكها، لكنه بدا مستمتعًا كطفل لا يبالي بنظرات المارة ولا بتعليقاتهم.
قطع كريس صمته المعتاد وقال بصوت منخفض موجّهًا كلامه لنتاشا:
ــ لا تنسي أدوية الأرق… وتذكري ما اتفقنا عليه، نامي مبكرًا.
أضفت بدوري بنبرة هادئة أكثر:
ــ وإذا اضطررتِ، خذي منوّمًا خفيفًا… لكن حاولي أن تستسلمي للنوم الطبيعي، جسدك بحاجة إلى راحة حقيقية.
دار سايمون بدراجته نصف دائرة حول نتاشا، يهتف بمرح طفولي:
ــ وإذا لم تستطيعي النوم أو شعرتِ بالخوف، افتحي مكالمة فيديو معنا كالمعتاد!
انفجرت نتاشا بضحكة صافية، يكسو الامتنان عينيها، ثم ردّت بصدق دافئ:
ــ شكرًا لكم… أنتم أفضل ما لدي. أراكم غدًا.
لوّحت لنا بيدها قبل أن تصعد إلى السيارة، التي انطلقت ببطء تحت وهج الغروب، تاركة خلفها أثر ابتسامة لم يفارقنا ونحن نراقبها ترحل.
لكن سايمون، كعادته، لم يسمح للموقف أن ينتهي بهدوء. اندفع بدراجته أمام السيارة الفاخرة، يؤدي حركات بهلوانية مضحكة جعلت نتاشا تضحك بحرارة وهي تراقبه من نافذة السيارة، ابتسامتها تضيء وجهها للحظة قصيرة.
زفرت وأنا أتابع، فيما صرخ كريس بانزعاج وقد بلغ به الضجر:
"ارجع يا مهرج، يكفي غباءً لليوم!"
بعد دقائق، كنا نسير نحن الثلاثة على الرصيف المزدحم بالطلاب، كتفًا إلى كتف وسط ضجيج العودة. كريس غارق في شاشة هاتفه، يرد بجفاف على رسائل لا تنتهي. سايمون لا يتوقف عن الثرثرة، يتباهى بكلماته الإيطالية الجديدة بلكنة مضحكة تثير السخرية. أما أنا... فكنت بينهم جسدًا حاضرًا، لكن عقلي وقلبـي في مكان آخر.
عيني وقعت عليها.
ماريا.
كانت تسير على الرصيف المقابل، تفصلنا مسافة شارع كامل، ومع ذلك لم أحتج أكثر من نظرة واحدة لأميزها بين مئات الطلاب. لم تكن مجرد ملامح أعرفها... بل روحًا اعتادت عيناي العثور عليها بلا جهد.
تلوّح بذراعيها بحماس وهي تتحدث مع فتاتين بجانبها، شفتيها تتحركان بسرعة، تضحك، تعلّق، تنفعل.
ابتسمتُ دون أن أشعر. العالم كله صمت في تلك اللحظة... لم أعد أسمع ثرثرة سايمون ولا نَفَس كريس. لم يبقَ سوى هي.
أنا لا أقرأ شفتيها عبثًا. لقد علمت نفسي لغة الشفاه، من أجلها فقط، كي لا تضيع مني أي كلمة حتى من بعيد. ومن حركاتها أدركت أنها تتحدث عن طعام تحبه، وعن فيلم أكشن شاهدته مؤخراً.
لكن... فجأة، انكسر المشهد.
رأيتها تدفع من الخلف. جسدها مال للخلف لحظة، ثم اندفع فجأة نحو الشارع المزدحم.
يد غامضة ظهرت، ثم اختفت.
وشاحنة ضخمة شقت الإشارة الحمراء كوحش هارب، قادمة بسرعة جنونية، لا شيء بينها وبين جسد ماريا الصغير.
تجمد الزمن. لم أعد أرى العالم، لم أعد أسمع الصرخات ولا زمجرة المحرك.
سوى هي.
ماريا، ساقطة وسط الطريق، عيناها متسعتان، وصوتها محبوس في حنجرتها.
صرختُ بكل ما فيَّ من روح:
"ماري!! انتبهي!!"
واندفعت.
كأن الحياة نفسها تدفعني للأمام. اخترقت الزحام، تجاوزت المسافة في ثانية واحدة. وفي اللحظة التي تلاشى فيها معنى الوقت، وصلت إليها.
أمسكت بها، جذبتها بكل قوتي، سقطنا معًا على الإسفلت. جسدي فوقها، يدي تحت رأسها لتحميه من الاصطدام.
الشاحنة مرت كطيف قاتل، لم تتوقف، لم تبطئ، وكأنها تهرب من ذنبها.
رفعت جسدي بسرعة، ألهث، يدي تنزف لكن عيني تبحثان في وجهها المرتبك عن أي أثر لجرح، عن أي دم.
قلت بصوت مخنوق، أُخفي وراءه رعبًا هائلًا:
"هل تأذيتِ؟"
لم تجبني، بل أشارت إلى يدي قائلة بصوت مرتجف:
"يدك... إنها تنزف."
نظرت إلى يدي... الدم يسيل، لكنني كنت أعرف ذلك مسبقًا. لم يهم. ما دام قلبها ينبض، فما عداه تفاصيل لا تستحق.
رفعت عيني إليها... ولم أقل شيئًا.
لكن نظراتي قالت كل شيء.
رعشة الخوف التي ما زالت تحبس أنفاسي. والامتنان... لأنها ما زالت هنا.