هي أو العالم - الكرة وقطعة البطاطس - بقلم MARINE | روايتك

اسم الرواية: هي أو العالم
المؤلف / الكاتب: MARINE
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الكرة وقطعة البطاطس

الكرة وقطعة البطاطس

في الصف الثالث من الطابق السادس، جلست في مكاني المعتاد، الطاولة الثالثة بجوار النافذة. كانت معلمة الفرنسية تكتب القواعد على السبورة بصوت رتيب، بينما انشغلت بتدوين الملاحظات بخط منظم وهادئ، كما اعتدت دائمًا. التركيز كان سلاحي الأقوى، لكنه في ذلك اليوم بدأ يتصدع شيئًا فشيئًا. سايمون لم يتوقف عن همساته المزعجة؛ نكات سخيفة، غمزات متكررة، وكلمات عابثة تتسرب إلى أذني. زفرت بضيق، لكن الأمر لم يقف عنده، إذ سرعان ما انتقلت عدوى الهمس إلى كريس ونتاشا. غير أن كريس، دون أن يرفع رأسه حتى، مد يده ببرود وضرب سايمون بكتاب مغلق على رأسه. رد سايمون بتجهم غاضب، لتبدأ بينهما معركة صامتة بلغة الهمس والدفعات الخفيفة، فيما كانت نتاشا تحاول بجهد أن تنشر السلام بابتسامة متعبة وكلمات هامسة لا يسمعها سواهما. أما أنا، فاكتفيت بهزة رأس ساخرة وابتسامة جانبية باهتة، ثم تركت الفوضى خلفي والتفت نحو النافذة. وهناك... وقعت عيناي على ما يقلب يومي رأسًا على عقب. ماريا. من مكاني في الطابق السادس، كانت رؤيتي تنحدر نحو ساحة الرياضة حيث يجتمع طلاب الإعدادية. لم يظهر لي من ماريا سوى ظهرها الصغير وهي تجلس على أحد المقاعد، تحمل بين يديها كيس شيبس كبير تأكل منه بهدوء. نسيم الصباح كان يلاعب خصلات شعرها المتمايلة، أما ملامح وجهها فلم أحتج لرؤيتها... كنت أعرفها جيدًا، كأنها محفورة في ذاكرتي. هادئة، مرحة، وبريئة. ابتسمت دون وعي، وأنا أتمتم في داخلي: "ما زالت تكره الرياضة..." ماريا، كما اعتادت دائمًا، كانت تأخذ فترات استراحة قصيرة بين كل لقمة وأخرى، وكأنها تنسحب من العالم حولها لتعيش في عالمها الخاص. على الطرف الآخر من الساحة، كان جيمي المشاكس، يحاول حمل عشر كرات دفعة واحدة. مشهد أقرب إلى السيرك منه إلى الرياضة، جسده يتمايل في كل اتجاه، بينما صرخات المدرب تتعالى من خلفه. ضحكت في سري... "سيسقط عاجلًا أم آجلًا." وكما توقعت، تعثر جيمي، وانهار أرضًا. تطايرت الكرات من يديه، إحداها ارتفعت عاليًا في الهواء قبل أن تتخذ مسارًا كارثيًا… متجهة مباشرة نحو ماريا. للحظة، بدا الزمن وكأنه تجمد. قلبي انقبض، وجسدي تحرك أسرع من تفكيري. وقفت فجأة من مقعدي. التفتت إلي المعلمة بدهشة: — "جاك؟! ماذا هناك؟" لكنني لم أنطق. فتحت النافذة وقفزت بلا تردد. شهقة المعلمة ملأت الغرفة، وصيحات الطلاب ارتفعت من حولي، بينما كنت أنا قد لامست الأرض بالفعل، وكأن الجاذبية قررت أن تتغاضى عني لثانية واحدة فقط. قدماي التهمتا العشب بسرعة جنونية. لم أرَ سوى ماريا... هدفي الوحيد. ركضت بكل ما أملك من قوة نحوها. في اللحظة التي كادت الكرة أن ترتطم بوجهها، اندفعت أمام ماريا بلا تفكير. ارتكزت بيد واحدة على الأرض، وركلت الكرة بخفة محسوبة لكنها قاتلة. ارتفعت في الهواء بخط مستقيم، قبل أن تستقر في الزاوية العليا للمرمى المقابل. صمت... كل شيء توقف. المدرب، الطلاب، حتى ماريا نفسها... الكل يحدق بي وكأن الزمن تجمد. زفرت ببطء، لكن قلبي انقبض. تبا... لقد بالغت. هذه الحركة ليست شيئًا يُصدّق من شخص يُفترض أن يملك قوة واحدة فقط. رفعت رأسي بقلق نحو الطابق الأول... وهناك كان هو. الأستاذ لورنس. واقفًا عند نافذة صفه، عيناه الضيقتان مليئتان بالريبة، تحدقان بي وكأنهما تخترقان أعماقي. في لحظة، مثل ممثل رديء، أمسكت ساقي وبدأت أتلوى بطريقة مبالغ فيها: ــ آه! ساقي! درت حول نفسي متأوهًا كالأحمق، أحاول إبعاد الانتباه عن الحقيقة. لكن الضربة جاءت. جيمي، بابتسامة خبيثة يعرفها الجميع، أطلق من قدمه شعاعًا خافتًا لا يراه إلا من ينتبه. ارتدت الكرة عن الأرض بقوة غير طبيعية، وارتطمت بوجهي مباشرة. سقطت أرضًا. جسدي ارتجف، عيناي ارتختا، وارتسمت على وجهي ابتسامة بلهاء نصف واعية. ــ هذا الوغد... استعمل قوته... هذه ليست ضربة عادية... تمتمت وأنا أهذي ضاحكًا. اقتربت ماريا ببراءتها المعتادة، انحنت قليلاً، وعينيها تلمعان بشيء من المرح. رفعت أمامي قطعة بطاطا من الكيس، وقالت برقة لا تُحتمل: ــ جاك... هل تريد واحدة؟ حدقت بها لثوان، ثم أغمضت عيني ببطء، وهمست في داخلي: لن أستطيع أخذها... ليس وأنا على هذه الحال. ثم استسلمت للظلام.