صديقة الطفولة الجزء 3
ما إن عدت من دوامة الذكرى، حتى استعدت تركيزي على ماريا. كانت تتابع حديثها معي بضحكتها المعتادة، وأنا أصغي إليها كمن يختلس لحظة من الزمن؛ كل شيء بدا وكأنه يتباطأ ليتركنا وحدنا.
لكن صوتًا مفاجئًا مزّق هذا الهدوء، جاء من الخلف أشبه بالنداء منه إلى مجرد صوت عابر:
"ماريا!"
استدرنا معًا في اللحظة نفسها.
كان جيمي.
لم يكن غريبًا عنا، بل رافق طفولتنا منذ زمن بعيد؛ حين كنت في الثانية عشرة، وكانت ماريا في التاسعة. ثلاثتنا تقاسمنا الذكريات، لكن العلاقة بين ماريا وجيمي كانت دائمًا أوثق، ثنائية أقرب منها إلى ثلاثية… علاقة أفهمها جيدًا، لكنني لم أحبها يومًا.
ابتسمت ماريا على الفور، ولوّحت له بمرح طفولي:
"جيمي! انتظرني، سآتي إليك!"
ثم التفتت إليّ، بابتسامتها البريئة لا تزال مطبوعة على ملامحها:
"نلتقي لاحقًا، جاك."
وما إن قالتها، حتى ركضت بخفة كنسمة ربيعية نحو جيمي، تاركة إياي واقفًا في مكاني.
بقيت أنظر إليهما بصمت، فيما شعور ثقيل غاص فجأة في صدري.
كريس، الذي كان يراقب المشهد من بعيد، لم يستطع كتمان سخريته:
"يبدو أن جيمي بارع في سرقة الأضواء."
لم أرد. اكتفيت بزفرة باردة، ورفعت يدي خلف رأسي بإحباط:
"نعم… بارع جدًا."
ابتسمت وأنا أقولها، لكنها كانت ابتسامة خاوية، لم تصل أبدًا إلى عيني.
عيني كانتا تقولان شيئًا آخر… شيئًا يشبه نارًا مكتومة، متوهجة في صمتها.
نظرت للمرة الأخيرة إلى المكان الذي وقفت فيه ماريا قبل ثوانٍ فقط.
كان فارغًا… فارغًا تمامًا، مثل قلبي الذي ظل يئن في صمت.
قال كريس وهو يشيح بعينيه عني:
"علينا الذهاب، حصة الفرنسية ستبدأ."
أجبته آليًا:
"أجل… هيا بنا."
لكنني لم أتحرك. ليس فورًا.
كنت ما زلت معلّقًا في تلك الأمنية الصغيرة… أن تلتفت للخلف، لمرة واحدة فقط.