صديقة الطفولة الجزء 2
اللقاء الأول. اليوم الذي بدأ فيه كل شيء.
كنت في الثامنة من عمري، أترنح في طرقات حي غريب عليّ، خطواتي الصغيرة تائهة، ودموعي تسيل بحرقة. لم يكن خوفي من الضياع هو ما أبكاني، بل وجع الفقد الذي أثقل صدري.
كانت الشمس تميل نحو المغيب، والهواء مشبع برائحة الأعشاب اليابسة. ووسط شرودي، استوقفني مشهد غير مألوف:
طفلة لا يتجاوز عمرها الخامسة، تتشبث بجذع شجرة ضخمة أمام أحد البيوت. كانت يداها الصغيرتان تحتضنان الخشب بخشونة، وقدماها تحاولان أن تجد لنفسها موطئًا، وعيناها اللامعتان تتجهان للأعلى بإصرار عجيب على عمرها.
توقفت دموعي، ووقفت مذهولًا أراقبها. ما الذي يدفع طفلة بهذا العمر لمواجهة شيء بهذا الحجم؟ لم أجد جوابًا، فقط مسحت وجهي بكم قميصي وواصلت النظر بصمت... مزيج غريب من الفضول والقلق يتملكني.
وصلت الطفلة إلى منتصف الطريق تقريبًا، ثم زلت قدمها فجأة. سقطت على الأرض.
شعرت بجسدي يندفع نحوها لا إراديًا، لكنني توقفت عند البوابة المغلقة... ذلك منزلها، وتلك شجرتهم. بقيت متسمّرًا في مكاني، ويداي ترتجفان وأنا أراقبها.
ارتطمت ببطنها، ودفنت وجهها في العشب. ظننت أنها فقدت الوعي، لكن سرعان ما رفعت رأسها. لم يكن هناك سوى كدمة صغيرة على جبينها، لا شيء خطير. تنفست الصعداء، وارتخى صدري بطمأنينة غامرة.
وضعت يدها على جبهتها تتحسس الألم. كنت على يقين أنها ستنفجر بكاءً كأي طفل في مثل عمرها... لكنها لم تفعل. بقيت ساكنة، متماسكة بشكل غريب. رفعت حاجبي بدهشة؛ أي قوة يملكها قلب صغير كهذا؟
وفجأة... التفتت إلي.
تجمدت. شعرت بالحرارة تتصاعد في وجهي، وتمنيت لو ابتلعتني الأرض. ستظنني وقحًا أتجسس عليها! لكن كل ما فعلته هو أنها... ضحكت.
رفعت يدها الصغيرة ولوّحت لي بابتسامة نقية. ابتسامة اخترقتني كالسهم، صادقة وبريئة، من قلب لم يعرفني يومًا. ومع ذلك، منحني ذلك النور.
في تلك اللحظة، توقف شهقي، واتسعت عيناي، وخفق قلبي للمرة الأولى.
شيء داخلي تغيّر.
كانت تلك الطفلة مختلفة. ولن تكون يومًا عادية بالنسبة لي.
منذ ذلك اليوم... لم أعرف الضياع مجددًا، طالما ظلّت موجودة.
ومنذ تلك اللحظة، صارت صديقة قلبي... أو بالأحرى، خاطفة قلبي.
لكنها لم تدرك أبدًا الجريمة التي ارتكبتها.