هي أو العالم - صديقة الطفولة الجزء 1 - بقلم MARINE | روايتك

اسم الرواية: هي أو العالم
المؤلف / الكاتب: MARINE
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: صديقة الطفولة الجزء 1

صديقة الطفولة الجزء 1

كنت واقفًا في الممر، متكئًا على خزانتي المعدنية، أبدو وكأنني غارق في لا مبالاة متعمدة. ذراعاي متشابكتان على صدري، لكن عيني لم تكفا عن المسح الدقيق لكل حركة حولي. المكان يعج بضوضاء العام الدراسي الجديد؛ طلاب يهرولون بين الحصص، ضحكات تتقاطع مع همسات، ووجوه متحمسة أو متذمرة. ومع ذلك، لم أرَ سوى التفاصيل الصغيرة: فتى يتسلل بخطى مترددة نحو الباب الخلفي، فتاة تتحدّى القوانين بزي يخالف الزي الرسمي، نظرات متبادلة تخفي قصصًا صغيرة. كان رصدي لكل هذا جزءًا من دوري... النظام قبل كل شيء. إلى جواري، وقف كريس، وكأنه ينتمي لعالم آخر. سماعاته الكبيرة تستقر على أذنيه، رأسه مائل قليلًا، عيناه مثبتتان على شاشة هاتفه. كان يبتسم أحيانًا، ويقطّب حاجبيه أحيانًا أخرى. من يعرفه يظن أنه غارق في موسيقاه، لكنني كنت أعلم: هو في حوار متواصل مع خطيبته، نصوص متتابعة تكاد تشكّل فصولًا من قصة حب رقمية تدور على هامش صخب المدرسة. وفجأة... التقطت عيني حركة مريبة في آخر الممر. طالب يندس مسرعًا نحو الباب الخلفي، واضح أنه يحاول التهرب. رفعت حاجبي، وانفصلت عن خزانتي بخطوات حازمة، لكن قبل أن أصل إليه، سبقتني يد معلم حازمة أمسكته من كتفه. توقفت، زفرت تنهيدة قصيرة، وتمتمت ساخرًا: "سبقني هذه المرة..." عدت إلى مكاني، أخرجت هاتفي لأراجع جدول أنشطة المجلس، لكن صوتًا آخر اخترق انتباهي. خطوات خفيفة قادمة من نهاية الممر... يتبعها صدى ضحكة مألوفة، خافتة، لكنها نابضة بالحياة. تسارعت ضربات قلبي، رفعت رأسي ببطء، وكأن اللحظة نفسها تتمدد خارج الزمن. ثم رأيتها... وكان العالم كله يتوقف عند تلك اللحظة. ماريا تمشي بجانب صديقتها، ضحكاتهما تتقاطع مع همسات منخفضة، عيونها لامعة وابتسامة مريحة تنبعث من داخلها. كان من النادر رؤيتها بهذا الهدوء الطبيعي… وهذا ما جذب انتباهي فورًا. لم أعتد على رؤيتها هكذا، خاصة بعد اختفائها المفاجئ طوال الشهرين الماضيين في العطلة، دون رسائل، دون مكالمات، حتى الإيموجي الساخر الذي كانت ترسله قبل النوم غاب عني. لم أستطع أن أزيح بصري عنها، عيناي رفضتا التحرك. ابتسمت بلا إرادة، وعقلي عالق في تلك اللحظة، لكن قبل أن أتمكن من الانغماس أكثر، شعرت بها تراقبني بعينيها المتسعتين، ثم صاحت بصوت مرح وممتد: "جاااااك!!!" التفت الطلاب حولنا نحو مصدر الصوت، لكن لم أعر اهتمامًا. لطالما اعتدت على طاقتها المليئة بالحيوية. ركضت نحوي، متجاوزة صديقتها، وتوقفت أمامي. يداها خلف ظهرها، كأنها تخفي سرًا صغيرًا، وانحنت قليلًا إلى الأمام، عيناها تتلألأ بالحماس الطفولي: "جاك! لدي مفاجأة لك… خمن ما هي؟" رفعت حاجبي بابتسامة هادئة، أعرف تمامًا ما تنوي فعله، لكنني أحب أن أتنافس معها بتظاهر السذاجة: "ممم… لا أعلم… أرني." وفجأة، بحركة سريعة ومرحة، صفعَتني ماريا على خدي، ضاحكة بصخب. ضحك كريس، الذي كان ما يزال مستندًا على الخزانة، رافعًا عينيه عن شاشة هاتفه، يهز رأسه ويقول: "كلاسيكية." أما أنا، فوضع يدي على خدي متظاهرًا بالألم، أتنهد بصوت يجمع بين المرح والانزعاج المصطنع: "آه… لم أكن أتوقع هذه الضربة… كانت مباغتة!" قهقهت ماريا بسعادة، ثم مالَت إلى الخلف قليلًا، وضعت يديها على خصرها وقالت بمرح: "مر شهران يا عمود الكهرباء! هل نسيتني؟" ابتسمت، ونظرت إليها بنظرة ناعمة: (حدثت نفسي قاءلا): كيف أنساكي وأنتِ كل ما أفكر فيه؟ أعدت ذراعي لتتقاطع، وأضفت بمزاح: "كيف أنسى قزمة تسبب لي الصداع المزمن؟" رمقتني ماريا بنظرة مصطنعة منزعجة، لكنها سرعان ما عادت إلى ابتسامتها المشرقة، وقالت بفخر ومرح: "أتعلم؟ لقد استمتعت حقًا بالعطلة! قضيتها على جزيرة وسط المحيط… شعرت وكأنها مغامرة جديدة تمامًا! ممتعة ومليئة بالحماس، وبالطبع! أنا من اقترحت وجهة السفر على أمي وأبي. تمنيت لو كنت معنا. من المؤسف أننا لم نتمكن من التحدث طوال شهرين، الإنترنت هناك كان شبه معدوم! لكن لا تقلق، سأحكي لك كل شيء بالتفصيل. استكشفت الجزيرة كلها! كنت أحمل حقيبتي وأسير في الطرقات… جربت الحياة البرية القاسية، صدقني كان الأمر مذهلًا!" ضحكت، وتحرك رأسها مع كل جملة، وأنا أستمع لكلماتها وكأنني أرى جزءًا صغيرًا فقط من مغامرتها. عيناي تابعتا كل حركة لها، خصوصًا تلك الإيماءة التي أعرفها جيدًا: يداها على الخصر، علامة حماسها المعتادة عند سرد مغامرة جديدة. لكن داخلي كنت أعلم شيئًا آخر: هي لم تعش الحياة البرية حقًا… الجزيرة سياحية، الفندق فاخر، والطعام معد بعناية. لا وجود لأي حيوان مفترس سوى تمثال الأسد عند المدخل. لم أقاطعها، فقط علقت بسخرية هادئة: "أجل… الحياة البرية التي تقدمها المطاعم مع خدمة الغرف!" انطلقت ضحكة ماريا خفيفة، عفوية، كأنها لا تعترف بسخريتي أصلًا، ثم واصلت حديثها باندفاع أشد، تتكلم وكأنها تنسج مغامرة لا يهمها إن آمنت بها أو شككت، فالمهم أنها عاشت اللحظة بطريقتها الخاصة. كنت أنصت، أنظر إليها، أتابع انفعالاتها الصغيرة: البريق في عينيها، حركة يديها المبالغ فيها، تلك الابتسامة التي تزداد اتساعًا كلما اندفعت في الوصف… وكل ذلك جعلني أغرق في تفاصيلها حتى فقدت خيط الحاضر. وفجأة، زاحمت ذهني صورة قديمة… ذكرى بعيدة لكنها لم تفقد حرارتها. لحظة عابرة من الماضي، بسيطة في شكلها، لكنها كانت البداية التي غيّرت كل شيء.