الأخوين
كان الفجر لايزال في بدايته،حين آستيقظت على صوت منبهي الخافت.فتحت عيني ببطئ نظرت إلى الساعه:الخامسه صباحا
بخطوات معتاده ،نهضت من سريري،سحبت ملابسي الرياضيه من على الكرسي بجانب السرير وخرجت من غرفتي .فتحت الباب بهدوء
خرجت إلى الخارج،والضباب الخفيف يغطي الأرض كوشاح شفاف.الغابة كانت باردة،ندى الليل لايزال على أوراق الأشجار .الطريق الذي أسلكه كل صباح يمتد بين الأشجار كأنه مرسوم خصيصا لي أركض ...خطواتي تقطع سكون الطبيعه،لكن لا طائر يزعج،ولا حيوان يظهر.الغابة هادئة،آمنه وربما هذا ما يخيفني أكثر
بعد نصف ساعه من الركض،عدت إلى المنزل آستحممت سريعا،ووقفت بعدها أمام نافذتي،شعري لايزال مبلالا،وقطرات الماء تنزل من عنقي ببطء.حدقت في الغابه الممتده أمامي.أشجار طويلة،كثيفه،بلا نهاية.ليس هناك منازل أخرى
المدينة ليست بعيده تماما.أذهب إليها يوميا حيث هناك أناس،حياة،ضجيج
بعد أن أنهيت ترتيب الفطور بعناية على الطاولة، وقفت لبرهة أتأمل الأطباق المتراصة أمامي، ثم تنهدت بخفة. لم تكن المهمة الأصعب في تحضير الطعام، بل في المهمة التالية التي تحتاج لصبر طويل وأعصاب فولاذية: إيقاظ تارا، شقيقتي الصغيرة.
بخطوات هادئة، توجت نحو غرفتها، وفتحت الباب ببطء متعمّد، كمن يخشى إزعاج غزال وديع في سباته. انساب ضوء المطبخ الخافت إلى الداخل، ليكشف مشهداً بات مألوفاً لي تمامًا: تارا نائمة بعمق، تنفسها هادئ، فمها مفتوح قليلاً، لكن... رأسها عند حافة السرير وقدماها على الوسادة! ابتسمت . هذه الطفلة لا تتوقف عن مفاجأتي بوضعيات نومها الغريبة، رغم أنها تتكرر كثيرًا.
ركعت بجانب السرير، وبلطف وضعت يدي على ظهرها، أهزها وأنا أقول بنبرة هادئة، لكنها مسموعة:
"تارا... هيا يا أميرتي النائمة، حان وقت الاستيقاظ."
لم تأتِ أي استجابة. كررت النداء، هذه المرة بصوت أعلى قليلاً:
"تارا، استيقظي!"
الصمت ذاته.
بتكتيك آخر، اتجهت نحو النافذة وسحبت الستائر دفعة واحدة. انسكبت أشعة الشمس مباشرة على وجهها، فعبست في نومها، ودفنت رأسها في الوسادة أكثر، تبحث بيدها الصغيرة عن أي شيء يحجب عنها الضوء. ضحكت ، التقطت الغطاء المتروك على الأرض وبدأت ألوّح به أمامها:
"هل تبحثين عن هذا؟ لتخبئي وجهكِ الجميل؟"
فتحت عينًا واحدة ببطء، ثم أعادت إغلاقها وغمغمت بنعاس:
"فقط دقيقة واحدة..."
رفعت حاجبي:
"تقصدين ساعة كاملة!"
ملت نحوها أكثر، وقلت بنبرة تجمع بين الحزم والدعابة:
"تارا، الساعة السابعة تمامًا. عليكِ الاستعداد للمدرسة."
تأوهت بضيق، ثم قالت بإحباط وهي تقلب جسدها:
"أخي، أرجوك... لا أريد الذهاب. إنه مجرد يوم تعارف، لا شيء مهم."
ضحكت، ثم أمسكت ياقة قميصها ورفعتها كما لو كانت دمية قماش، حتى صار وجهها قريبًا من وجهي:
"أنتِ خفيفة كالريشة، ولكنكِ ثرثارة ثقيلة جداً في الصباح."
رمشت بعينين نعوستين وقالت بتذمر طفولي:
"أنا متعبة، لا أريد الذهاب."
زفرت بضيق مصطنع، وقلت بجدية مموّهة بالسخرية:
"أنتِ فعلاً كسولة. عطلة كاملة قضيتها نائمة، ألا يكفي؟ الأطفال في مثل سنكِ يتحمسون لليوم الأول من المدرسة."
تجهمت وعبست، ثم عقدت ذراعيها وأدارت وجهها بعيدًا:
"لستُ طفلة... ولا مهووسة بالاستيقاظ مثلك."
ابتسمت ابتسامة مائلة، ثم أمسكت وجهها بلطف وضغطت على خديها بيد واحدة، أشكل بهما شكلًا مضحكًا، وقلت بنبرة تجمع بين الغضب المرح والدلال الأخوي:
"انهضي وارتدي ملابسكِ... الفطور جاهز."
أنزلتها برفق على الأرض، فزفرت مجددًا وبدأت تمشي بتثاقل نحو الخزانة، وهي تجر قدميها مثل طفلة غاضبة. ابتسمت وأنا أراقبها، ثم غادرت الغرفة وتمتمت بيني وبين نفسي:
"يا لها من عنيدة صغيرة..."
في المطبخ، كنت أغسل الصحون بينما جلست تارا إلى مائدة الطعام تتناول طبقًا من البيض وشرائح اللحم، ومعه كوب من عصير الليمون.
استدرت نحوها بنظرات خفيفة، تنهدت ثم قلت بنبرة نصف جادّة:
— "هل ستظلين عابسة طوال اليوم؟ أنتي حقًا مدللة… هل تعلمين ذلك؟"
رفعت رأسها قليلًا وردّت ببرود:
— "أريد بسكويت."
ابتسمتُ بسخرية خفيفة، وقلت:
— "تتجاهلين كلامي لأنك تعرفين أنني محق. لا، لن تحصلي عليه. لازلنا في بداية الأسبوع… تذكّري الشروط."
قالت بتأفف وهي تضع الشوكة جانبًا:
— "أخي! لا أريد الانتظار حتى نهاية الأسبوع لأجل بسكويت الشوكولاتة."
هززت كتفي بلا مبالاة:
— "هذه قواعد عمي، لا شأن لي. وكما تعلمين، الإفراط في الحلويات لا يفيد صحتكِ."
مالت تارا بكرسيها إلى الخلف، وجمّدت فمها بضجر:
— "حسنًا… وعلى ذكر عمي، أين هو؟ هل ذهب للعمل؟"
— "نعم، غادر ليلًا."
— "متى سيعود إذًا؟"
تنهدتُ بخفة وأنا أجفف يدي:
— "لا أعلم… لم أتصل به. ضيّعت كل وقتي هذا الصباح في محاولة إيقاظك. لكن لا شك أنه سيعود بعد ثلاثة أيام كالمعتاد."
أومأت برأسها بتفهّم، ثم تابعت تناول طعامها.
وبعد دقائق، أنهيت غسل الصحون واستدرت… لأراها وقد وضعت يدها تحت الطاولة، وعينيها تركزان بشدة على الخزانة المرتفعة.
رفعت حاجبي ببطء. كانت تستخدم قوتها الخفية — تحريك الأشياء عن بعد — تفتح باب الخزانة العلوية بهدوء، وبمهارة بالغة أخرجت كيس بسكويت من الرف الأول.
ظنّت أنني ما زلت أعطيها ظهري…
ضغطت على أنفي وتنهدت، ثم أطلقت شعاعًا أخضر رفيعًا من عيني، أصاب كيس البسكويت في منتصف الطريق…
احترق الكيس بالكامل وسقط على الأرض، لم يسبب أي حريق، لكنه أصبح رمادًا.
توسّعت عينا تارا، فتحت فمها بدهشة، ثم صرخت بإحباط:
— "لـمـاذا فـعـلـت هـذا!؟"
عقدت ذراعي ونظرت إليها بصرامة:
— "لأنكِ لا تسمعين الكلام، وتستخدمين قوتكِ داخل المنزل! عليكِ أن تتوقفي عن ذلك قبل أن تعتادي عليها وتنسي نفسكِ… فتستخدميها في المدرسة. وعندها، سيتوجب عليكِ تحمّل العواقب."
أطرقت برأسها، وقالت بصوت خافت:
— "معك حق… آسفة."
…
بعد الإفطار، كنا في غرفة المعيشة.
جلست على الأريكة، وتارا كانت فوق حجري، أساعدها في تسريح شعرها.
قمت بعمل تسريحة "ذيل الحصان" المفضلة لديها، وزينتها بإكسسوارها المحبّب، فابتسمت برضا، كأنها نسيت توبيخي تمامًا.
ارتديت ملابسي اليومية: سترة جلدية سوداء وبنطالًا رماديًا. التقطت حقيبتي الملقاة على الكرسي بجانب السرير، ثم نزلت إلى الطابق السفلي.
كانت تارا بانتظاري، تحمل حقيبتها المدرسية، ووجهها ما يزال نصف نائم. ابتسمت لي تلك الابتسامة الكسولة، وقالت بنبرة يملؤها النعاس:
— "تأخرت."
ضحكت بخفة وأنا أنحني لأرتدي حذائي:
— "لا أعلم من السبب… الذي عليّ أن أجهّزه قبل أن أجهّز نفسي؟"
فتحت الباب الأمامي، فاندفعت أشعة الشمس بين الأغصان بخجل، والهواء البارد ما زال يلفح وجهي.
أمام المنزل، وقفت دراجتي النارية كما تركتها بالأمس؛ سوداء، لامعة قليلًا، يغطيها غبار الطريق.
فتحت الصندوق الصغير المثبّت خلفها، أخرجت خوذتين سوداوين، وضعت إحداهما على رأسي وناولت الأخرى لتارا:
— "اربطِي الخوذة بإحكام."
رفعت حاجبها وهي تتمتم ساخرة:
— "أعرف يا أستاذ جاك."
ركبت خلفي، ولفّت ذراعيها حول خصري بإحكام. ضغطت زر التشغيل، فأصدرت الدراجة صوتًا عميقًا، منخفضًا، كأنها تستيقظ معنا على مهل.
قبل أن ننطلق، لفت تارا رأسها نحو المنزل.
كان يقف هناك في هدوئه المعتاد، بلونه الرمادي المائل إلى الفضي، نوافذه العريضة تعكس ضوء الشمس الخافتة دون أن تكشف ما يجري خلفها.
جدرانه مغطاة بألواح خشبية مستقيمة أنيقة؛ لا تبدو قديمة ولا جديدة، وكأن الزمن مرّ عليه مرور العابر.
لا سياج يحميه، ولا عربة أمامه، ولا أصيص زهور يزيّن عتبته… فقط درجات حجرية بسيطة تؤدي إلى المدخل، ومظلّة صغيرة تعلو العتبة، تتقطر منها بقايا ندى الليل البارد.
كان المنزل أنيقًا في تصميمه، منسجمًا مع الغابة… ومع ذلك، بدا غريبًا هنا، أكثر مما يجب.
بدأت أتحرك بخطوات ثابتة، لا سريعة ولا بطيئة، بينما كانت تارا خلفي تواصل ضرب ظهري بخفة، وكأنها تستمتع بتحويله إلى لعبة ملاكمة مصغرة. كانت ضحكاتها تتسلل إلى أذني، لكن مع كل ضربة كنت أشعر بتيار صغير من الانزعاج يزحف إلى داخلي.
زفرت وأنا ألتفت إليها قليلًا، قائلاً بنبرة تحمل الغضب الطفيف الممزوج بالسخرية:
– كم مرة عليّ أن أشرح لكِ أن ظهري ليس كيس ملاكمة؟ توقفي عن ضربي في كل مرة، أيتها الصغيرة.
توقفت لحظة، ثم عقدت حاجبيها وقالت بنبرة متذمرة:
– أخي! توقف عن مناداتي بـ "طفلة"، أنا لست كذلك!
ابتسمت بخبث وقلت وأنا أرفع حاجبًا:
– بل أنتِ كذلك، لا تزالين في العاشرة، وفوق ذلك أنتِ قصيرة لدرجة تجعلكِ تبدين وكأنكِ في السادسة من العمر.
ارتفعت ذقنها الصغيرة بتحدٍ، وردّت بحدة طفولية:
– وأنتَ أيضًا مجرد أخ كبير تافه، في الثامنة عشرة، لكنك تتصرف كرجل عجوز ممل.
أدرت عيني بتململ، ثم قلت وأنا أتنهد وكأنني أستعيد ذكرى بعيدة:
– أنتِ مصدر الإزعاج الوحيد في حياتي. لقد عشتُ ثماني سنوات كاملة بهدوء وسلام قبل أن تولدي وتقتحمي عالمي.
ولم أُمهلها فرصة الرد، إذ توقفت وأشرت بيدي قائلاً:
– هيا… لقد وصلنا.
وقفتُ إلى جانب تارا، ممسكًا بيدها الصغيرة، أمام البوابة الحديدية السوداء. كانت مفتوحة على مصراعيها، كأنها في آنٍ واحد ترحب بالداخلين… وتبتلعهم.
في منتصف الفناء ارتفع علم على سارية قصيرة، يرفرف بخجل مع نسمات الصباح الأولى.
وعند المدخل، لافتة بسيطة تعلن:
"مدرسة أوركيد الابتدائية – نزرع بذور المستقبل."
أخفضت نظري نحوها وقلت بابتسامة دافئة:
– هل أنتِ متحمسة لرؤية صديقتيكِ ميا وإيزابيل و…
لكن كلماتي تلاشت حين لاحظت أن تعابير وجهها تغيّرت؛ لم تعد تتابع ما أقول، بل كانت عيناها معلقتين في مكان آخر، صامتة، شاردة، وحزن خفيف يلوّن ملامحها.
رفعت رأسي لأتبع نظراتها، فرأيت مشهدًا لطفل في عمرها تقريبًا، يمسك بيد أمه بينما والده يقف بجانبه مبتسمًا. كان الطفل يقفز بينهما ضاحكًا قبل أن يعانقهما ويقبلهما بحرارة.
عدت بنظري إلى تارا، فوجدتها تضغط على يدي برفق، وعيناها ما زالتا تراقبان المشهد، لكن بعمق أكبر… كانت على وشك البكاء.
خفّت ملامحي، وانحنيت قليلًا حتى صرت أمامها مباشرة، وجعلتها تستدير لمواجهتي. وضعت يدي على ذراعيها الصغيرتين وقلت بصوت هادئ يملؤه الحنان، مع ابتسامة مطمئنة:
– صغيرتي… ألستُ أنا عائلتكِ؟ أنا هنا معكِ، دائمًا.
أومأت برأسها، والحزن يلين شيئًا فشيئًا في ملامحها، قبل أن تقول بصوتها الرقيق:
– نعم… أنت عائلتي، وأخي، وصديقي المقرّب.
اقتربت وعانقتني، ثم طبعت قبلة خفيفة على خدي، فارتسمت على وجهي ابتسامة أوسع وأكثر دفئًا.
مددت يدي إلى جيبي، وأخرجت قطعة حلوى بنكهة الكرز، وقدمتها لها مازحًا:
– تفضّلي، أيتها الصغيرة… وعندما أعود لاصطحابكِ مساءً، سأشتري لكِ شطيرة تاكو بالحجم الكبير، لا المتوسط.
لمعت عيناها الواسعتان، اللتان تشبهان قطرات الندى في صباح صافٍ، ببريق من البهجة والحماس. أومأت برأسها بحركة صغيرة، بينما ارتسمت على شفتيها الصغيرتين ابتسامة واسعة تفيض بالبراءة، وكأن العالم بأسره اختصر في تلك اللحظة. مدت يدها والتقطت قطعة الحلوى من كفي برفق، ولمحتُ للحظة ارتجافة في صدري، شعور غامض يخنق الحلق دون إذن.
لم تمضِ ثوانٍ حتى ظهرت صديقتاها، ميا وإيزابيل، تلوحان لها من بعيد. أشرقت ملامح تارا بابتسامة رقيقة وهي ترد التحية، ثم التفتت إليّ وقالت بصوت يملؤه الفرح الخالص:
— سوف أذهب الآن... إلى اللقاء يا أخي الكبير، أراك لاحقًا.
لوّحت لي بيدها الصغيرة وهي تركض نحو صديقاتها بخطوات خفيفة كعصفور يتحرر من غصنه، وابتسامتي لم تغادر وجهي حتى بعد أن ابتعدت. وضعت يدي في جيبي، وبقيت واقفًا أتابعها بعيني حتى ابتلعتها أبواب المدرسة، وكأنها اختفت خلف ستار آخر العالم. عندها فقط استدرت، صعدت على دراجتي، وانطلقت ببطء بينما همست في داخلي:
أراك لاحقًا يا أختي الصغيرة.
الطريق كان هادئًا، لكن رأسي لم يعرف السكون. صورة تارا وهي تحدق بذلك الطفل بين والديه ظلت عالقة، تقرع أبواب ذاكرتي بلا توقف. تنهدت ببطء، وشعرت بثقل حزن قديم ينهض من أعماقي.
الحقيقة التي أحاول دفنها كل مرة، عادت لتطفو: تارا ما زالت تتألم لغياب والدينا. أمي رحلت في حادث عندما كنت في الثامنة من عمري، وكانت تارا حينها لم تكمل شهرين. أما أبي... فقد اختفى من حياتنا بعد وفاتها، سافر إلى بلد بعيد، وتركنا بلا كلمة وداع، ولا حتى أثر يدل على مكانه. ومنذ ذلك اليوم، لم نعرف عنه شيئًا، سوى أنه كان موجودًا يومًا... ثم قرر ألا يكون.
تذكرت فجأة أن عليّ الاطمئنان على عمي. توقفت جانب الطريق، أخرجت هاتفي واتصلت برقمِه.
انتظرت... لكن لم يأتِ أي رد.
ربما نفد شحن بطاريته، أو أنه وضع الهاتف على الصامت. تمتمت لنفسي:
"لا بأس، سأحاول الاتصال به لاحقًا."
أعدت الهاتف إلى جيبي، عدت إلى دراجتي، وانطلقت من جديد، تاركًا خلفي شعورًا خفيفًا بالقلق لا يفارقني.