الفصل الخامس: "طقس الدم"
ما عادت تشوف أبوها مثل قبل. صارت كل لحظة تتأكد إن مو بس ساكن وياهم… لا، أخوه القاتل متمكن من روحه.
الليل جان هادئ غريب، لا صوت مطر ولا هوى… بس فجأة انسمع صرير الباب المسكون ينفتح.
هبة ركضت صوب الممر، شافته مفتوح على وسعه لأول مرة. الغرفة مظلمة، بس نصها يضوي بنار حمراء. وبالنص… شافت أبوها واقف، بيده الساطور، وعيونه تنزف دم.
– "هبة… تعالي."
صوته مو صوته… خليط بينه وبين صوت آخر أعمق.
الأم صاحت من وراه:
– "لا تروحين! لا تدنين يمه!"
بس هبة حسّت كأن قوة خفية تسحبها للغرفة. الأرضية كلها صارت دم، وجدرانها متروس رسومات غريبة، دوائر، مثل طلاسم. وكل صورة بيها جثث مربوطة ومذبوحة.
أبوها (أو بالأحرى روح أخوه) بلش يتمتم بكلمات:
– "الدم يفتح… الدم يقفل… الروح الجديدة تكمل العهد."
هبة تجمدت:
– "عهد؟ شنو قصدك؟"
ضحك بجنون:
– "حتى تظل أرواحهم مسجونة… لازم كل جيل نذبّح وحدة من نسلنا. وهالمرة… إنتي يا هبة!"
---
الأرض اهتزت، والحيطان تقطر دم أكثر. فجأة، ظهرت الأرواح! نساء مذبوحات، أطفال ميتين، وجوه مشوهة. كلهم يصيحون بصوت واحد:
– "دم… دم… دم!"
الأم مسكت بيد هبة وجرّتها:
– "نهرب بسرعة!"
بس الباب الخارجي للبيت انغلق بنفسه، وكأنه جدار حديدي. حتى الشبابيك صارت مسدودة بسلاسل سوداء.
أبوها تقدم صوبهم، الساطور يلمع بالضوء الأحمر:
– "ماكو مفر… لازم الطقس يكتمل الليلة!"
---
هبة صارت تصيح:
– "ليش آني؟! شسويت حتى أندبح؟!"
الظل اللي وراه جاوب:
– "مو ذنبچ… بس روحچ نظيفة، ودمچ آخر مفتاح."
الأم حاولت توقف بوجهه:
– "إذا تذبح بنتي… اذبحني وياها!"
بس أبوها دفعها بقوة عالأرض.
هبة انخنقت من الخوف، بس حسّت بداخلها شي جديد… وكأن الأرواح كلها مو ضده… بعض الأرواح تبجي وتصيح:
– "حررينا!"
---
هبة مسكت بيدها حجر صغير كان بالزاوية، ورمته بكل قوتها على دائرة الطلاسم. بمجرد ما انكسرت الرسمة، الغرفة كلها ارتجّت! الأرواح صارت تعوي، وأبوها صرخ بألم:
– "لااا! ما يصير تكسرينه!"
جسده انطرح عالأرض، يتلوى، نصه أبوها ونصه القاتل.
الدم انتشر أكثر وأكثر، بس الأرواح طلعت وجوهها صوب هبة:
– "كمّلي… كسرينا كلنا!"
---
هبة رفعت خشبة مكسورة، وصارت تضرب الطلاسم وحدة وحدة. كل ما تكسر وحدة، يختفي صراخ من الأصوات.
لحد ما بقت آخر دائرة… وأبوها قام، وجهه مدمى، عيونه مولعة نار:
– "إذا تكسريها… تموتين ويانا!"
هبة وقفت، بيدها الخشبة، عيونها تدمع، بس بجوفها قوة غريبة:
– "موتي أحسن من أعيش أسيرة وياكم."
ورفعت يدها… وضربت آخر دائرة.
---
انفجر البيت كله بصوت هائل، جدران تنهارت، والليل امتلأ صراخ الأرواح وهي تتحرر. هبة انهارت بالأرض، كلشي صار ظلام.