الجلسه الثانيه "ستعودين"
استيقظت في اليوم التالي، وهي تشعر بثقل يجثم على صدرها. اليوم ستكون الجلسة طويلة... ومكثفة.
ارتدت ملابسها الرسمية، جمعت شعرها للخلف، ثم خرجت من منزلها. وصلت إلى السجن، عبرت الباب الحديدي الضخم، وألقت التحية على الضابط الذي يقف عند بوابة الزنزانة. فتح الباب لها، ومع صوت القفل المعدني، شعرت وكأنها تعبر إلى عالم آخر.
في الداخل، كان يجلس على كرسي معدني مهترئ في زاوية الزنزانة. دخان سيجارته يملأ الهواء حوله. رفع عينيه الباردتين نحوها وقال بصوت عميق:
"كنتُ أنتظركِ."
جلست على الكرسي المقابل له، تشعر ببعض التوتر، لكنها تماسكت وقالت بصوت ثابت:
"الجلسة اليوم طويلة... لديك وقت كافٍ لتقول كل شيء."
كانت تتجنب النظر في عينيه.
قال بنبرة تخترق أعماقها:
"كيف أثق بكِ؟ ولماذا أثق بكِ؟ ولماذا أخبركِ بشيء؟"
رفعت عينيها نحوه وقالت بحدة:
"توقف عن المراوغة ودعنا ندخل في صلب الموضوع... لماذا قتلتهم؟"
ابتسم بسخرية، ثم قال ببرود:
"لأنهم لا يستحقون الحياة."
فتحت الملف أمامها، متجاهلة الدخان الذي بدأ يزعجها، وقالت:
"وهل أنت من يقرر من يستحق الحياة أو الموت؟... أنت مريض."
نظر إليها بثبات وقال بابتسامة خفيفة:
"أعلم... ولهذا أنتِ هنا، أليس كذلك؟ لأنكِ طبيبة... ومهمتكِ أن تعالجيني."
للمرة الأولى، رفعت عينيها لتلتقي بعينيه مباشرة. عينيه كانتا مظلمتين... فارغتين تمامًا.
"أول خطوة في العلاج أن تعترف بأنك مريض... وهذا تقدم في حد ذاته."
أمالت رأسه قليلاً، ثم قالت:
"لم تخبرني باسمك"
قال لها وعينه في عينها:
"اسمي... أطلقي عليّ اسمًا أنتي."
ابتسمت بخفة، وانحنت قليلًا نحوه حتى بات وجهها على مقربة من وجهه.
"أطلق عليكِ اسمًا؟" قالت بصوت خافت، ثم أضافت: "أنت جريئ."
ابتعدت قليلًا عن نظرته الحادة، وقالت وهي تحاول استعادة توازنها:
"أخبرني عن نفسك... هل تعرضتَ لأي صدمات نفسية دفعتك للقتل؟"
ضحك ضحكة خفيفة وقال:
"قلتُ لكِ... لم يكونوا يستحقون الحياة."
"ولماذا تعتقد ذلك؟"
ألقى سيجارته على الأرض وسحقها بحذائه، ثم قال بنبرة خافتة:
"البشر مجرد لعبة."
"هل تعتقد أنهم جميعًا بلا مشاعر؟"
ضحك بسخرية:
"أفضّل النوع الذي بلا مشاعر... هذا أفضل شيء."
قالت بحدة:
"هذه حماقة. لا شيء جيد في غياب المشاعر."
نظر لها بعمق حتى شعرت أن عينيه تخترقانها، ثم قال:
"أنتِ لم تنامي جيدًا، صحيح؟ قضيتِ ليلة سيئة... كنتِ تشعرين بعدم الارتياح."
شعرت بقلبها يتسارع. كيف عرف ذلك؟ كيف قرأها بهذه الدقة؟
"كيف... كيف عرفتَ ذلك؟"
قال بابتسامة باردة:
"أنا أقرأكِ. أنتِ مليئة بالمشاعر... وهذا يجعلكِ ضعيفة."
حاولت أن تحافظ على ثباتها وقالت:
"دعكَ مني... أنا هنا لمعالجتكَ أنت."
مال نحوها أكثر، عينيه تضيّقان وكأنه يحاول التوغل داخلها.
"تُعالجينني وأنتِ من تحتاجين العلاج؟ كيف ذلك؟ أنتِ المريضة هنا، أليس كذلك؟"
ضحكت بسخرية تخفي خوفها:
"هل أنا من يقتل الناس؟ أم أنتَ؟"
ابتسم ابتسامة باهتة وقال:
"أنتِ تقتلين ما هو أخطر من الجسد... تقتلين المشاعر. على الأقل أنا أقتل الجسد وأحرر الروح."
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. حدقت به وقالت بصوت خافت:
"أنت تتحدث وكأنك تعرفني."
مد يده ولمس ذقنها بلطف، رفع وجهها نحوه حتى التقت عيناهما.
"أنا... أنا كل ما تريدين أن أكونه... أنا..." توقف للحظة ثم قال ويده علي كتفيها:
"كيفر."
اتسعت عيناها.
"هل قلت اسمك للتو؟"
ابتعدت عن يده فورًا وقالت بانزعاج:
"ابعد يدك عني... كيفر."
نظر إليها بنظرة غامضة، وكأنه يقول: أنتِ تحت رحمتي الآن.
ثم قال بابتسامة جانبية:
"لديكِ اسمي الآن... أنتِ من تقدمتِ خطوة في العلاج."
سحب نفسًا من سيجارته، ثم قال بصوت هادئ:
"سأخبركِ بشيء... لكن لا تتوقعي أن تحبي ما ستسمعين."
نظرت إليه بحذر وقالت:
"تحدث."
قال بصوت خافت وهو يحدّق في الجدار:
"ليس لدي أهل. نشأتُ في ملجأ. لم يكن أحد هناك يهتم بي."
صمت للحظة، ثم أضاف:
"لكنني تعلمت شيئًا في الملجأ... إذا أردتَ أن تعيش، عليك أن تصبح صيادًا... أو فريسة."
---
نظرت إليه أجوستينا بحذر، تمعن في كلماته جعل قلبها يخفق بوتيرة سريعة. كيفر كان يبدو واثقًا... خطيرًا... لكن خلف هذا البرود كان هناك شيء آخر، شيء مظلم.
"تعلمت أن تصبح صيادًا أو فريسة..." كررت كلماته بنبرة خافتة.
"وهل كنتَ الصياد دائمًا؟"
نظر إليها بثبات وقال ببرود:
"في البداية كنتُ الفريسة."
صمتت للحظة، تحاول أن تستوعب ما وراء كلماته.
"ما الذي حدث في الملجأ؟"
ابتسم ابتسامة باهتة، ابتسامة باردة لا حياة فيها.
"هل تظنين أنني سأخبركِ بذلك بسهولة؟"
رفعت حاجبها وقالت بثبات:
"أنتَ هنا لتتكلم."
رفع رأسه ونظر إليها بحدة:
"هل تظنين أن بضع كلمات ستجعلكِ تفهمينني؟ هل تظنين أن هذا الملف أمامكِ يحتوي على حقيقتي؟"
أغلقت الملف بهدوء، وأسندت ظهرها على الكرسي، قائلة:
"لن أفهمك إلا إذا أردتَ أن تُفهمني."
أخذ نفسًا عميقًا من سيجارته، ثم نفث الدخان ببطء، وقال:
"كان هناك رجل في الملجأ... مسؤول عن الأطفال. كانوا يثقون به."
صمت للحظة، عيناه أصبحت أكثر قتامة.
"لكنه لم يكن شخصًا جيدًا."
لاحظت ارتجافة خفيفة في صوته، رغم محاولته الحفاظ على ثباته.
"ماذا فعل؟"
ضحك بسخرية:
"أعتقدين أنكِ مستعدة لسماع ذلك؟"
قالت بثقة:
"أنا هنا لأسمع."
اقترب بجسده قليلًا، حتى بات وجهه أقرب من اللازم، صوته انخفض حتى أصبح همسًا:
"كان يختار الأطفال الأضعف... والأكثر خوفًا."
تصلبت ملامحها.
"وأنتَ... كنتَ واحدًا منهم؟"
ابتسم، لكنه لم تكن ابتسامة طبيعية... كانت مليئة بالألم الخفي.
"حاول أن يجعلني فريسة... لكنه فشل."
"كيف؟"
ارتفع حاجبه قليلًا، وكأن السؤال قد أثار اهتمامه.
"في إحدى الليالي، دخل إلى غرفتي... وجلس بجواري."
صمت للحظة، ثم أضاف:
"لكنني كنتُ مستيقظًا."
شعرت أجوستينا بقشعريرة باردة تجتاح جسدها.
"ماذا فعلتَ؟"
نظر إليها مباشرة، عينيه باردتان مثل الجليد.
"جعلته هو الفريسة."
ارتفع صدرها وهبط في محاولة لالتقاط أنفاسها.
"أنت... قتلته؟"
أدار رأسه ببطء، نظرة غامضة ارتسمت على وجهه.
"لم أكن أملك خيارًا آخر."
"كان ذلك دفاعًا عن النفس..." قالتها وكأنها تحاول أن تبرر له.
"كان ذلك درسًا." قالها بنبرة خافتة.
"تعلمت أن أكون الصياد... قبل أن يتحولني الآخرون إلى فريسة."
ابتلعت ريقها وقالت بحذر:
"لكن ما فعلته بعد ذلك... لم يكن دفاعًا عن النفس."
ضحك بخفة وقال:
"عندما تقتل أول مرة... تدرك أن الحياة لعبة. وكل ما عليك فعله هو أن تكون أفضل لاعب."
"أفضل لاعب؟"
أمال رأسه قليلًا وقال:
"أنا لم أخسر حتى الآن."
نظرت إليه بحدة، وقالت:
"لكن اللعبة انتهت عندما قبضوا عليك."
نظر إليها نظرة عميقة... خطيرة.
"أوه... اللعبة لم تنتهِ بعد."
شعرت بقشعريرة تسري في عمودها الفقري.
"ماذا تعني؟"
ابتسم بهدوء وقال:
"عليكِ أن تعرفي... أن هناك أكثر من طريقة للخروج من هنا."
رفعت حاجبها وقالت:
"أنتَ مقيد... خلف القضبان. ما الذي تخطط له؟"
ضحك ضحكة منخفضة، ثم قال:
"أنتِ تظنين أنني مقيد."
"وهل أنتَ لستَ كذلك؟"
نظر إليها نظرة مليئة بالغموض، ثم قال بهدوء:
"لا أحد يستطيع أن يقيدني... حتى لو كنتُ خلف هذه القضبان."
صمتت، وهي تشعر أن الجلسة قد خرجت عن سيطرتها.
"إلى أين تريد أن تصل؟"
وقف من مكانه ببطء، انحنى عليها حتى اقترب وجهه من وجهها، ثم همس:
"هذا ما عليكِ أن تكتشفيه."
سمعت صوت الباب يُفتح خلفها. جاء الحارس ليخبرها أن الوقت قد انتهى.
نهضت من مكانها ببطء، وقالت:
"سنكمل هذا الحديث."
نظر إليها بابتسامة جانبية وقال:
"أنا هنا دائماً."
أدارت ظهرها ومشت باتجاه الباب، لكن قبل أن تخرج، سمعته يقول:
"أجوستينا..."
التفتت نحوه.
"ماذا؟"
ابتسم وقال:
"ستعودين."
ترددت لثانية، ثم خرجت من الزنزانة وهي تشعر أن قلبها ينبض بقوة.
كيفر لم يكن مجرد قاتل... كان لعبة خطيرة.
وسواء أرادت أم لا... كانت قد دخلت هذه اللعبة بالفعل.