اخرج من عقلي
توجهت للقاء صديقتها جيرلين في مقهى هادئ في زاوية المدينة. جلست على الطاولة، ووضعت الملف أمامها كما لو كان عبئًا ثقيلًا لا تستطيع التخلص منه.
"ماذا فعلتِ في جلسة اليوم؟" سألتها جيرلين وهي تحتسي قهوتها.
رفعت أجوستينا عينيها ببطء، وقالت بصوت متعب:
"لا أعرف..."
"لا تعرفين؟"
"نعم... هناك شيء غريب بشأن هذا القاتل."
ميلت جيرلين للأمام قليلًا، فضولها بدأ يشتعل. "كيف غريب؟"
ارتجف صوتها وهي تقول:
"لا أعرف... إنه كجثة بلا مشاعر."
"بالطبع! لقد قتل كل هؤلاء الضحايا، هل تتوقعين أنه سيكون شخصًا طبيعيًا؟"
أجوستينا هزت رأسها ببطء، عيناها تائهتان.
"الأمر ليس بهذه البساطة... لم يكن فيه غضب، ولا ندم، ولا حتى متعة. كان... فارغًا."
نظرت جيرلين إلى الملف بين يدي أجوستينا.
"هذا ملفه؟"
أومأت أجوستينا برأسها.
"نعم."
مدت جيرلين يدها وأخذت الملف منها. فتحته، ثم توقفت عند الصورة.
"يا إلهي... ملامحه حادة... إنه وسيم."
أجوستينا رفعت رأسها بسرعة، نظرة قلق في عينيها.
"توقفي. إنه ليس وسيمًا. إنه... مخيف."
"لا، لا... وسيم ومخيف في الوقت نفسه. وهذا أسوأ."
أجوستينا أغلقت الملف فجأة، وكأنها تحاول أن تقطع هذا التفكير من جذوره.
"أنتِ لا تفهمين، جيرلين... الأمر أعقد من مجرد ملامح."
"إذن، ماذا تشعرين تجاهه؟"
"أنا لا أشعر بشيء... لكنه يعرف كيف يجعلكِ تشعرين."
تبادلت جيرلين معها نظرة قلقة، ثم قالت بهدوء:
"أجوستينا... كوني حذرة."
نظرت أجوستينا إلى الملف في يدها، ثم قالت بصوت خافت:
"أعتقد أن الوقت قد تأخر على ذلك."
قالت جيرلين، وهي ترفع حاجبها باستغراب:
"لماذا تقولين إن الوقت تأخر؟ إنها جلستكِ الأولى فقط!"
أجوستينا نظرت إلى الفراغ، عيناها متوترة، ثم قالت بصوت منخفض:
"أنا خائفة... ولست خائفة في نفس الوقت. لا أفهم ما يحدث... حتى اسمه لا أعرفه. ليس مسجلًا حتى في ملفه."
اتسعت عينا جيرلين بصدمة.
"ماذا؟! كيف يكون ذلك ممكنًا؟"
أجوستينا هزت رأسها ببطء، وكأنها تحاول أن تجد تفسيرًا منطقيًا.
"لا أعرف... لا أعرف أي شيء بعد الآن."
تنهدت بعمق، ثم قالت بصوت خافت:
"دعينا نذهب إلى أمي..."
نظرت إليها جيرلين بقلق، لكنها أمسكت بيدها وقالت:
"حسنًا... لنذهب."
عندما وصلت أجوستينا إلى منزل والدتها برفقة صديقتها جيرلين، نظرت إليها والدتها مايا بقلق، وكأنها تقول بعينيها: أين شردتِ يا ابنتي؟
قالت مايا بصوت دافئ وهي تمسح على شعرها:
"حلوتي، ما بكِ؟ كيف كان عملكِ اليوم؟"
لكن جيرلين قاطعتها، قائلة بلهجة ساخرة:
"جلسة اليوم جعلتها مشتتة تمامًا."
أجوستينا ابتسمت ابتسامة زائفة تحاول أن تخفي بها اضطرابها، ثم قالت:
"لا، أمي... أنا بخير."
مايا أمسكت بيدها برفق، وضغطت عليها بلطف، وقالت بصوت حنون:
"تكلمي... أنا أسمعكِ."
رفعت أجوستينا عينيها، وقد بدأت الدموع تتجمع فيهما، ثم قالت بصوت متقطع:
"العمل ليس جيدًا... الرجل الذي أحقق معه... إنه..." تنهدت، ثم أكملت بصعوبة:
"قاتل."
اتسعت عينا مايا بصدمة، وقالت بذهول:
"قاتل؟! لكن لماذا يجعلكِ رؤساؤكِ تعملين مع قاتل؟"
تدخلت جيرلين قائلة:
"بسبب بشاعة الجرائم... يعتقدون أنه مريض نفسي، سيدتي مايا."
هزت أجوستينا رأسها موافقة، ثم قالت وكأنها تحمل ثقل العالم على كتفيها:
"نعم، كما قالت جيرلين."
نظرت إليها مايا بقلق، وقالت برقة:
"حسنًا... أخبريني، كيف تشعرين تجاه هذا الرجل؟"
أجوستينا ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم قالت بصوت خافت وهي تحدق في الأرض:
"كان مثل جذع شجرة... لا عليه أي ملامح، لا مشاعر. كان باردًا كالجليد... لكنه يملك طريقة غريبة... يستطيع أن يخترق روحك بنظراته فقط. رغم أنني أفهمه، لكن لا أفهمه في الوقت نفسه. كان يتحدث وكأنه في خطاب لاستلام جائزة... لا كقاتل، أمي."
كانت كلماتها تخرج منها وكأنها محبوسة في غرفة مظلمة، لا شيء فيها سوى صوت صرصور الليل الساكن في الزاوية.
ربتت مايا على ظهرها برفق، وقالت:
"أفهمكِ، يا حبيبتي... أفهمكِ."
قالت جيرلين محاولة كسر التوتر:
"لدي فكرة! ما رأيكِ أن نذهب للسينما؟ أجوستينا، لا تفكري في الأمر كثيرًا. اعتبريها مثل أي جلسة من الجلسات... إنه مجرد مريض نفسي، سيعالج وينتهي الأمر."
تنهدت أجوستينا، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة:
"ربما معكِ حق... لا يجب أن أشغل بالي بهذا."
ابتسمت مايا وقالت برقة:
"حسنًا، اذهبي واستمتعي. سأحضر الطعام عندما تعودين."
أجوستينا قبلت يد والدتها، ثم قالت:
"حسنًا، أمي... سأذهب لتغيير ملابسي."
صعدت إلى غرفتها، وبعد دقائق قليلة عادت وهي ترتدي فستانًا أحمر حريريًا ضيقًا ذو فتحة عند الفخذ. كانت فاتنة بكل معنى الكلمة.
قالت أجوستينا مازحة:
"وها أنا هنا!"
نظرت إليها مايا بفخر، ثم قالت مبتسمة:
"جميلة... مثل أمكِ تمامًا."
غمزت لها جيرلين وقالت بمكر:
"أتعرفين من سينضم إلينا؟"
نظرت إليها أجوستينا بترقب، ثم قالت:
"لا تقولي إن سيبستيان الوسيم سيأتي؟!"
ضحكت جيرلين وقالت:
"بلى، إنه هو!"
أجوستينا قالت بمرح وعيناها تلمعان:
"أمي، سأذهب الآن. أراكِ لاحقًا."
مايا ابتسمت، ثم قالت وهي تلوح بيدها:
"اعتني بنفسكِ."