الفصل الرابع
الفصل الرابع – قيود الهوس
القلعة تضجّ بالاستعدادات، صليل السيوف يتردد في الأرجاء، وصوت قرع الطبول يعلو مع كل ساعة. الجنود يصطفون بصرامة، العربات تُحمّل بالمؤن والذخائر، وأعلام دوقية نوفالس ترفرف في الهواء محمّلة بوعود الحرب والنصر.
زين نوفالس كان يقف شامخًا بين رجاله، درعه الأسود يلمع تحت وهج المشاعل، وهيبته تفرض على الجميع الصمت.
لكن قبل أن يمتطي جواده ويقود جيشه إلى الميدان، كان لا بدّ له من مواجهة أخرى… مواجهة تخص قلبه.
توجّه بخطوات ثابتة نحو الغرفة المظلمة حيث كانت لارا لا تزال حبيسة قيودها.
فتح الباب، فرفعت رأسها نحوه بعينين حادتين، وبمجرد أن رأته تفجّرت كلماتها كالسهام:
"أيها الكلب المسعور… ألم أقل لك أنني لا أريد رؤية وجهك مرة أخرى؟"
توقّف أمامها، ملامحه باردة لكن صوته منخفض يحمل نبرة مختلفة:
"لن تريني مجددًا… فأنا ذاهب إلى الحرب."
ضحكت لارا بخفة، بارتياح وسرور، وقالت:
"إذن أتمنى لك أن تموت موتة مخزية… وأرتاح منك للأبد."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، وأجابها ببرود قاتل:
"أترغبين أن تصبحي أرملة سعيدة، تعودين لقصر عائلتك التي رمتك؟… لتعيشي تعاستك من جديد؟"
رفعت حاجبها بسخرية، وردّت بحزم:
"ومن يهتم؟"
اقترب منها أكثر، نظرته غامقة كجدار لا يمكن اختراقه، وقال:
"أنتِ لا تعرفين مصير الأرملة التي لم تنجب وريثًا. هذا العالم الأرستقراطي لا يرحم. القوانين ظالمة للمرأة… حتى لو حاولتِ وراثة ممتلكاتي، سيتكالب عليك الطامعون ويسلبون كل ما هو ملكك. وزوجة والدي لن ترحمك أبدًا… إنها تنتظر موتي لتستولي على كل شيء… ولترميك خارجًا."
تجمدت لارا لوهلة، لكنه تابع بمرارة:
"وأنتِ تعرفين… أن القانون لن يحميكِ أبدًا لأنكِ أرملة بلا وريث."
أطرق رأسه قليلًا، صوته بات أخفض لكن حادًا كالسيف:
"أعلم أن كلامي يبدو قاسيًا، لكنكِ أنتِ من رفضتِني منذ أول ليلة في زواجنا… تحججتِ بالمرض والتعب، وكل مرة كنتِ تهربين مني، تتركيني وحيدًا. وكنتُ مغفلًا لأني صدقتك… ومع ذلك، أحببتكِ بصدق."
صرخت لارا بكل ما أوتيت من غضب:
"ومن ستقبل بوحش مثلك زوجًا لها؟! أنت كلب الإمبراطور… كلب معارك متوحش، بلا مشاعر ولا إحساس!"
ارتجفت أنفاس زين، لكنه ضحك بمرارة وقال:
"بلا مشاعر؟ لقد كنتُ دومًا متعاطفًا معك. عاملتُك بالحب، نفّذتُ كل ما طلبتِ، رفعتكِ إلى القمة، ولم أشتكِ أو ألومكِ. وقفتُ ضد الجميع لأتزوجك، وها أنتِ الآن… تتمنين موتي."
ابتسم ابتسامة ساخرة وهو يستقيم واقفًا:
"لا تقلقي… لن أموت وأترك زوجتي الحبيبة وحدها."
ثم انحنى قليلًا نحوها وهمس بضحكة مظلمة:
"أتظنين أنكِ ستهربين إذا متّ؟ هاهاها… سخيف حقًا. سيبقونك هنا، سيخفون وجودك، خاصة وأن زوجة والدي تكرهك، وعائلتك لا تهتم بك. عليكِ أن تدعي حقًا أن أعود حيًّا."
استدار عنها، وتركها خلفه تلعنه في سرها وعلانية.
خرج من الغرفة دون أن يلتفت، وتوجّه بخطواته الحاسمة نحو جيوشه. ارتدى خوذته، امتطى جواده، ولوّح بسيفه في الهواء، فتعالت هتافات الجنود.
ومع دويّ الطبول، انطلقت دوقية نوفالس إلى ساحة الحرب، تاركة وراءها امرأة محطمة بين قيودها، ورجلًا ممزقًا بين الحب والهوس… والدماء التي تنتظره في الميدان.