✦ الفصل الأول: بداية القدر
ليم بنت في أوائل العشرينات، عايشة في بيت قديم مع جدتها. البيت رغم بساطته، إلا إن ريحته دايم تذكرها بالطفولة… ريحة القهوة، صوت المطر على السقف المعدني، وضحكاتها الصغيرة وهي تركض في الممر.
أمها وأبوها توفوا من سنين في حادث سير، فما بقى لها غير جدتها اللي صارت أمها وأبوها وكل حياتها.
ليان كانت مختلفة عن غيرها. تحب الهدوء، تحب الكتب، وتعيش أكثر بين صفحات الروايات من بين الناس. كثيرين يقولون إنها منطوية، لكنها كانت تعرف إن عندها عالمها الخاص، عالم ما حد يقدر يدخل فيه إلا إذا سمحت.
في يوم عادي، الشمس بدت تغرب والجو صار بارد شوي. لبست عباءتها السوداء، وقررت تروح المكتبة الصغيرة اللي قريبة من بيتهم. المكان الوحيد اللي تحس فيه براحة غير طبيعية.
كانت تمشي بين الرفوف، أصابعها تمر على الكتب وكأنها تدور عن شيء محدد، شيء يناديها.
وفجأة… سمعت صوت رجل:
– "عفوًا… ممكن تساعديني؟"
التفتت بخوف بسيط. شافت شاب واقف قدامها. طويل، لابس جاكيت أسود، شعره مرتب لكن عيونه… عيونه غير.
فيها حزن، غموض، وأثر تعب واضح.
قال لها بابتسامة خفيفة:
– "أدور على كتاب وما لقيته."
ليان ارتبكت، قلبها دق بطريقة ما تعودت عليها.
سألته:
– "أي كتاب؟"
مد يده بورقة صغيرة مكتوب فيها اسم الكتاب. كانت رواية نادرة، ما كثير يعرفون عنها.
ليم ابتسمت وقالت:
– "أعرف مكانها… اتبعني."
مشوا مع بعض بين الرفوف. لحظة صمت غريبة جمعتهم، كأن العالم توقف.
وصلوا عند الكتاب، ناولته إياه، لكنه ظل يناظرها بطريقة أربكتها.
قال:
– "شكرًا… ما كنت أتوقع ألاقيه."
ردت بخجل:
– "عادي… المكتبة بيتي الثاني تقريبًا."
ضحك بخفة، وضحكته كانت دافية بشكل غريب، ثم قال:
– "يمكن عشان كذا قابلتك هنا."
انقبض قلبها. كلمات بسيطة، لكنها دخلت جوّا روحها.
من ذاك اليوم… كل شيء تغير.
طلعت من المكتبة وهي تفكر:
– "مين هذا؟ وليش حسيت كأني أعرفه من زمان؟"
الليل كان ساكن، والهواء بارد يلفح وجهها. لكنها لأول مرة من سنين طويلة، حسّت إن قلبها بدأ يدق مو بس عشان تعيش… بل كأنه يذكرها إنها إنسانة لسه قادرة تحب.
رجعت البيت، جدتها تناظرها بعيون مليانة حنان وقالت:
– "وجهك منوّر يا ليان… وش صاير؟"
ليم تبكت وضحكت:
– "ما في شي يمّه… بس كنت في المكتبة."
لكنها عرفت من داخلها… إن البداية صارت.
وبين صفحات كتاب، ظهر رجل رح يغيّر حياتها كلها.