الفصل الثاني
الفصل الثاني : بداية رحلة البحث
الليل كان حالك، والسكون اللي كان انكسر بصوت خطوات إيجام الملهوفة وهي عم تركض بكل قوتها.
قلبها كان عم يدق كأنه طبول حرب بصدرها، أسرع من صوت خطواتها.
ما كان عندها وقت تفكر، عقلها كان عم بيصرخ "اهربي!".
الرعب تملكها، بس هالمرة مو رعب عادي، هاد كان رعب من أقرب الناس الها، من أبوها. صورة قدير وهو عم يطعن أسماء ما فارقت خيالها، كانت محفورة بذاكرتها، بتفاصيلها، صوت طعنات السكين، دم أسماء اللي عم ينتشر.
كانت الصورة محفورة في ذاكرتها و عم تركض وراها كأنها شيطان.
كانت تسمع خطوات وراها، قريبة وبعيدة بنفس الوقت.
قدير كان عم يطاردها، بس مو عرفان إنها بنته. الظلام كان حليفها الوحيد بهديك اللحظة، عم يساعدها تختفي عن عيونه.
دخلت بين الأزقة الضيقة، وعبرت الشوارع المهجورة، تتخبى ورا أي شي تشوفه، حاويات زبالة، سيارات، جدران عتيقة.
كانت كل نبضة بقلبها عم تقولها:
"لو مسكني، رح يقتلني".
هالكلمات كانت عم تتردد بذهنها، تحول خوفها لشجاعة غريبة.
ما وقفت إيجام إلا لما حست إنها صارت بعيدة كفاية عن بيت أبوها.
يمكن شي خمس دقايق من الركض المتواصل، ما حست فيها من شدة الخوف.
وقفت ورا زاوية عمارة قديمة، عم تاخذ نفسها بصعوبة.
رئتها بتوجعها، ورجليها صاروا مثل الخشب. التفتت لوراها تتأكد إنه ما حدا عم يتبعها، بس الظلام كان كثيف، ما قدرت تميز شي.
نظرت لساعتها، كانت قربت على الساعة حداش. فجأة، صورة كنان ظهرت قدام عيونها.
كنان! المريض اللي تركته لحاله بالبيت. نسيت كل شي من الرعب، بس هلأ رجع الخوف الأكبر على أخوها.
"كنان! يا إلهي، كنان!"
صرخت بصوت خافت، ومشت باتجاه بيتها بأقصى سرعة ممكنة.
هلأ صار في خوفين عم يطاردوها: خوف من أبوها، وخوف على أخوها.
وصلت البيت. الإضاءة كانت مطفية، والهدوء كان مخيف.
فتحت الباب بإيدين عم ترجف، دخلت وركضت بسرعة على الكنباية اللي تركت كنان عليها.
المشهد اللي شافته خلاها تتجمد مكانها. كنان كان لسه نايم، مغمى عليه، ووشه شاحب أكثر من الأول.
شفايفه زرقاء شوي، وعم يتنفس بصعوبة.
"كنان! حبيبي كنان! قوم "
صرخت إيجام، صوتها كله بكا وتوسل. حطت إيدها على خده، كان بارد. هزته بخفة، بس ما في استجابة.
حاولت توعيه، تضغط على إيديه ورجليه، بس ما في فايدة.
بهاللحظة، شعرت إن كل شي حواليها عم ينهار، الدنيا عم تضيق فيها. خسرت أمها، وأبوها صار قاتل، وهلأ كنان؟ لا، مو ممكن.
انهارت إيجام على الأرض جنب أخوها. دموعها نزلت كالمطر، شهقاتها كانت عم تقطع قلبها.
"يا رب، يا رب لا تبخلني من كنان، يا رب!"
صوتها كان مبحوح من البكا. حسيت إن الدنيا كلها عم تعاقبها. هلأ فهمت معنى "وحيدة".
بعد لحظات مرت كأنها دهور، فاقت إيجام على حالها. لازم تتصرف! ما في وقت للانهيار! تذكرت إن لازم تتصل بالإسعاف أو المستشفى.
سحبت موبايلها، عيونها عم تشوف بصعوبة من الدموع، ويديها لساتها عم ترجف. بحثت عن رقم الطوارئ، واتصلت.
"مرحبًا، أريد سيارة إسعاف!"
صوتها كان بالكاد مسموع.
"أخي، أخي مريض سكري، مغمى عليه، حالته خطيرة!"
حكت كل شي بصعوبة، عم تحاول تشرح الحالة وهي عم تبكي. الطرف الثاني طلب منها العنوان، وهي عمت حكي العنوان بسرعة، وعقلها عم يركض أسرع من صوتها.
"بسرعة، من فضلكم، بسرعة!"
بعد دقايق، يمكن عشرة دقائق أو ربع ساعة، سمعت صوت سيارة الإسعاف من برا.
ضو الكشافات الأزرق والأحمر عم يضوي من الشباك. ركضت إيجام وفتحت الباب، وشافت مسعفين عم يدخلوا بسرعة. وراهم، كان في دكتور.
الدكتور كان شاب، يمكن بالثلاثينات، لابس بالطول أبيض وعيونه كانت هادية ومريحة.
أول ما دخل، نظر لـ إيجام بنظرة تفهم وقلق. ما حكى ولا كلمة، بس عيونه كانت عم تقول:
"أنا هون للمساعدة".
دخل بسرعة لعند كنان، بلش يفحصه. قاسو السكر، وحطو جهاز الأكسجين، وعطوه إبرة.
إيجام كانت واقفة بعيد، عم تراقب المشهد كأنها بحلم. كانت عم تشوف المسعفين والدكتور عم يشتغلوا، بس عقلها كان لسه مع صورة أبوها. فجأة، سمعت صوت الدكتور عم يحكي:
"حالته مستقرة حاليًا، الحمد لله، بس لازم ناخذه للمستشفى نراقبه ونعدل الجرعات."
بهاللحظة، التفت الدكتور باتجاه إيجام. كان اسمه مراد. الدكتور مراد. كانت هي أول مرة تشوفه. عيونه كانت دافية وحنونة، وشعره أسود مرتب. شكله كان يريح القلب، عكس كل شي عم يصير بحياتها.
"أنتِ أخته؟"
سأل بصوت هاديء.
"إيه... إيه، أنا أخته."
أجابت إيجام بصوت مبحوح.
"الحمد لله إنك اتصلتي بسرعة. ممكن كان الوضع أسوأ. أنا الدكتور مراد "
مد إيده ليسلم عليها. إيجام مدت إيدها بصعوبة، كان إحساس غريب بالراحة لما لمست إيده.
"لا تقلقي، رح نعتني فيه أحسن عناية."
حكى مراد، وكانت كلماته مريحة كثير لـ إيجام اللي كانت على وشك الانهيار.
المسعفين حملوا كنان على نقالة، وراحوا فيه باتجاه سيارة الإسعاف. إيجام لحقتهم، والدكتور مراد كان يمشي جنبها.
شعرت إنها لقت شخص ممكن تعتمد عليه بهالظروف الصعبة. بس عقلها كان لسه عم يدور على سؤال:
"شو رح أعمل؟"
في نفس الوقت، في بيت قدير...
قدير كان واقف بنص الصالة، عم يتنفس بصعوبة.
يديه كانت عم ترجف، والسكين اللي قتل فيها أسماء لساتها مرمية على الأرض. كل شي حواليه كان فوضى: دم أسماء، والأثاث اللي كان مقلوب.
بس كل هاد ما كان شاغل باله قد الصوت اللي سمعه. صرخة.
"مين هاد اللي شافني؟"
كان هاد السؤال الوحيد اللي عم يدور براسه. كانت الصرخة قريبة، بس الظلام كان كثير.
ما قدر يميز مين اللي صرخ. ركض بالشارع بعد ما سمعها، دور بالزوايا، بين السيارات، بس ما لقى شي.
كأن الصرخة طلعت من لا مكان واختفت بلا أثر.
عاد للبيت، بلش يلم الأدلة. أول شي عمله، و رمى
السكين والمسح على الدم قدر الإمكان، وحاول يرجع الأثاث مثل ما كان.
بعدين، راح بسرعة على موبايل أسماء اللي كان مرمي على الطاولة. فتحه، ودخل على سجل المكالمات والرسائل.
كان عارف إن أسماء كانت عم تبتزه، وكان خايف إنها تكون مسجلة المكالمة اللي اعترف فيها بجريمة
"وين التسجيل؟ وين هالمكالمة!"
بلش يدور بجنون. لقى تسجيلات، بس ما كانت المكالمة اللي عم يدور عليها.
كان عارف إن أسماء مو غبية، مستحيل تكون حاطة التسجيل الوحيد على موبايلها. لازم يكون عندها نسخة احتياطية بمكان ثاني.
حطّم موبايل أسماء بقوة، كأنه عم ينتقم منها من جديد.
"ما حدا رح يعرف. ما حدا رح يقدر يمسكني."
كرر هالكلمات لنفسه، وكأنه عم يقنع حاله فيها.
بس الشك كان عم ياكله من جوه.
مين هاد اللي صرخ؟ ليش صرخ؟ وهل شافني بوضوح؟ هالأسئلة كانت عم تدور براسه، وما عم تروح.
بدأ يراجع كل شي. مين من جيرانه كان قريب؟ مين كان ممكن يكون ماشي بهالوقت المتأخر؟ هل هي مصادفة ولا أسماء كانت متفقة مع حدا؟
"لازم ألاقي هالشخص."
قرر قدير. ما كان فيه مجال لأي شهود. أي حدا شاف هالمشهد، لازم يختفي.
بلش يفكر بالاحتمالات، يربط الأحداث، مين ممكن يكون ورى هالشغلة. هل ممكن تكون إيجام؟ لا، مستحيل.
إيجام بتخاف من ظلها، ومالها بهيك أمور. وكمان، شو بدها تعمل ببيتي بهالوقت المتأخر؟ هالفكرة تلاشت بسرعة من راسه، ما كان بده يصدقها.
بلش قدير يفكر بخطواته الجاية. لازم ينظف البيت تمامًا، يمحو أي أثر. ولازم يبدأ بالبحث عن هالشاهد المجهول. شخص واحد ممكن يدمر حياته كلها.