الفصل 42
فتحت عينا مالك ببطء شديد، كأنهما تُعيدان الاتصال بالعالم بعد غيبوبة قاتمة. كان الألم يعتصر صدره، لكنه لم يكن أقوى من إرادته للحياة.
أول ما رآه كان جسد الرجل الممدد على الأرض بلا حراك، وجهه مشوّه بآثار الرصاصة التي أطلقها إياد. وقفت الطفلة الصغيرة، متحصنة خلف ظهر إياد، عيناها الواسعتان تلمعان بالخوف والبراءة.
نظر مالك إلى إياد الذي كان يقف بوجه جاد وحامي، ينظر إليه بنظرة ملؤها القلق والتصميم، وكأنما يقول: "أنا هنا، لن أتركك تموت."
ببطء حاول مالك أن يرفع رأسه، يلتقط أنفاسه المتقطعة، لكنها غاص في موجة من الضعف المتزايد، جسده يترنح تحت وطأة فقدان الدم والإصابات العميقة التي أرهقته، وعيه بدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا. ببطءٍ، جلست عيناه تنغلق كأنها تودع العالم، والتنفس أصبح متقطعًا وضعيفًا.
رأى إياد ذلك بقلق بالغ، فاندفع بسرعة نحوه، جثا على ركبتيه بجانبه، وبدأ يهز كتفه برفق لكنه بحزم، وهو ينادي بصوت مرتفع ومشحون بالأمل:
"مالك! استيقظ! لا تتركني وحيدًا الآن، لا يمكنك الرحيل هكذا!"
وضع يده على صدر مالك، يحاول أن يشعر بنبض قلبه، وكانت يداه ترتعشان من الخوف. ثم قال بحزن:
"لا تدع نفسك تضيع يا اخي… كن قوياً، كن معنا…"
غاص مالك بين حافة الموت والحياة، جسده يرتجف تحت وطأة الألم والضعف، أنفاسه تتقطع كنسائم شتائية باردة، وعيه يغرق في ظلامٍ كثيف يبتلعه شيئًا فشيئًا. رغم ذلك، كانت عيناه تحملان وهجًا خافتًا لم يخفت، تتشبث بنظرة إياد الذي وقف إلى جانبه كالسد المنيع أمام موجات الألم التي تحاصره.
رفع مالك يده بصعوبةٍ بالغة، أوقفها فوق يد إياد التي كانت تمسك به بإصرار، وكأنها مصدر دفء وحياة لم تنطفئ بعد. ثم خرج من بين شفتيه المتهالكتين صوت خافت، محمّل بثقل الندم والحسرة التي تخنق القلب:
"إياد... كنت... كل شيء لي... والآن... لا أملك... سوى الوداع..."
ثم ابتسم ابتسامة مريرة، كأن الألم نفسه تحوّل لكلمات تخترق الصمت:
"يبدو أن نزار قد نجح... وحقق رغبته في قتلي..."
كانت تلك الكلمات كالسهم الذي اخترق صدر اياد، صوت يتعثر بين شهيق وزفير، يحمل كل وجع وكسر وصمت لا يُحتمل. توقف قلب المكان لوهلة، والدموع انهمرت كأنها تعترف بوحشية الحياة، قبل أن يغيب مالك في غيبوبة، ويسقط جسده المنهك بين ذراعي إياد، الذي احتضنه بحنانٍ يملؤه الألم، كأنه يودع قطعةً من روحه التي ستظل تحارب بلا كلل.
ظل إياد جاثيًا هناك، يضم صديقه المتلاشِي، دمعه يسيل بلا هوادة، صرخته الممزقة ترتفع في الغرفة كنداء مكسور:
"مالك... لا ترحل... لا تتركني... أنت لست وحدك..."
قلبه يتمزق مع كل ثانية تمر، وكل خفقة قلبٍ لا يشعر بها صديقه تمزق روحه أكثر. كان الألم شديدًا، وجحيم الفقدان أعمق مما يمكن تحمله، لكنه تمسك بالأمل الأخير، بالأمل الذي يحمل ذكرى صديق لا يموت حتى وإن رحل الجسد.