الفصل 41
تهاوى مالك على ركبتيه، يلهث بشدة والدم يسيل من فمه المنكسر، متسللًا إلى ذقنه وصدره، يلطخ كل ما حوله بلون قاتم. كان الألم يخنقه، وكل حركة صغيرة تُشعره بثقل الحياة يُفقده أنفاسه شيئًا فشيئًا، حتى اقترب نزار بثقة قاسية.
جلس نزار أمامه، نظر إلى مالك بعينين تخفيان استهزاءً باردًا، ثم ضغط على فمه المتدلي، ليمنع عنه أي كلمة أو أنين. ابتسم بسخرية باردة، وبدأ يهينه بكلمات مُرة تقطر خبثًا:
"ها أنت ذا، يا مالك، بعد كل القتال والصراع، ها أنت تسقط ضعيفًا مذعورًا. هل هذا هو الرجل الذي ظننت أنه لا يُقهر؟ هل أصبحت لعبة في يدي؟"
لكن مالك، رغم الألم ونزيف الدم، لم يستسلم، لم تسمح روحه له بالانكسار. ظل صامتًا، عيونه تتأجج بالتحدي، وأصابعه ترتعش، لكنها تقترب ببطء من مقبض سكينه الذي كان ملقى بجانبه.
ببطء شديد، كمن يخفي سرا ثمينًا، تمكن من الإمساك بالسكين. لم يشعر نزار بأي حركة، إذ كان يراقب ابتسامة مالك الخافتة وكأنه ينتظر ذاك الانهيار الأخير.
فجأة، وفي لحظة مفاجئة تخطف الأنفاس، ارتفعت يد مالك التي تمسك بالسكين، وغرسها بحزم في عنق نزار. انقطع ابتسامة نزار، وتحولت عينيه إلى دوامة من الصدمة والألم، بينما تراجع متألمًا إلى الوراء.
صار صمت قاتل يلف المكان، ومالك، الذي رغم دمائه وتعبه وجراحه، وجد في هذه اللحظة قوة جديدة، قوة البقاء التي تغلبت على كل ضعف.
تقهقر نزار وهو يتلوى من الألم، ثم سقط بلا حراك على الأرض، دماؤه تتدفّق بغزارة على البلاط البارد. ساد الصمت المكان لحظات قصيرة،
رفع رجل من رجال نزار مسدسه بسرعة مهيبة، عيناه تلمعان بالغضب والوحشية، كأنه ينوي إنهاء ما بدأه. صوب المسدس نحو مالك الذي كان على الأرض، جريحًا ومُنهكًا، وبدأ يبتلع أنفاسه بصعوبة.
أغمض مالك عينيه ببطء، مستسلمًا، مستعدًا لرحلة الموت التي كان يعتقد أنها قادمة بلا منازع.
وبينما ارتطمت الرصاصة، لم يُسمع صوت صراخ أو سقوط، بل فقط وقع ثقيل وصدى خافت.