الفصل 40
تقدم مالك بخطوات ثقيلة عبر الممرات الضيقة للمنزل المهجور، عينيه لا تفارق الظلال التي تلوح أمامه، يبحث عن نزار، ذلك الرجل الذي أثار في صدره نار الانتقام وفتح جراح الماضي. كل خطوة يخطوها كانت تعكس إصراراً لا يلين، وعزيمة محمومة تحترق بداخل صدره.
صدى تنفسه الخافت يتردد بين جدران المكان الصامت، تتشابك أنفاسه مع أصوات خطوات بعيدة، كأنها تعزف لحن اللقاء المرتقب. يرفع رأسه بين الحين والآخر، يحاول كشف أي حركة أو همسة تخبره بمكان نزار، ولكن الأجواء قاتمة، والظلال تتراقص حوله كأشباح من الماضي.
فجأة، لمح خيالاً يتحرك بسرعة خلف أحد الأعمدة، كان نزار يختبئ، ينتظر الفرصة المناسبة للهجوم أو الهروب. اقترب مالك بسرعة، قلبه ينبض بقوة، وفمه يتمتم كلمات لا يسمعها سوى نفسه، كلمات انتقامٍ مرير.
لم يكن يتوقع أن الخطر لن يأتي من نزار فقط، بل من أحد رجاله الذين استغلوا انشغاله بالنزار.
في تلك اللحظة، انطلق صوت الرصاصة، حاد وثاقب، اخترق الصمت كالسهم الناري. اخترقت الرصاصة ظهر مالك، فشعر بوخزة حادة تأبى أن تتركه ينسى الماضي أو يستمر في طريقه.
سقط مالك على ركبتيه للحظة، يتلمس ظهره بيده الملوثة بالدماء، عينيه تقطران غضباً وألماً، لكنه لم يستسلم. تمالك نفسه، وأخرج السكين بيده الأخرى، مستعداً للرد، رغم الدم الذي بدأ ينساب من جرحه.
كانت المعركة لم تبدأ بعد، بل كانت اشتعالًا جديدًا في جحيم الحرب التي يعيشها مالك، لكنه هذه المرة يعلم أن عليه أن يكون أقوى، وأدهى، وأشد صلابة من أي وقت مضى.
ابتسم نزار ابتسامة قاسية، ترسخت على وجهه وكأنها حكم بالإعدام، وقال ببرود:
"انتهى أمرك، مالك. لا مكان لك في هذا العالم بعد الآن."
لكن مالك، رغم الألم الذي اجتاح جسده من الرصاصة التي اخترقت ظهره، رفض الاستسلام.
نهض متثاقلاً، وعيناه تتلألأان بلهيب الانتقام، غير أنه قبل أن يتمكن من الاقتراب، باغته أحد رجال نزار بضربة قوية على وجهه.
تلقى مالك الضربة بقوة، سقط على الأرض متألمًا، والدماء تسيل من شفتيه، وألمه يزداد مع كل حركة.
حاول النهوض مجددًا، لكن الضربات تتابعت عليه من كل جانب، ضربات موجعة تركت أثرها واضحًا على جسده المنهك.
كانت كل ضربة تقصم عزيمته قليلاً، لكنه لم يرفع يديه للاستسلام، ظل يقاوم حتى آخر نفس، يواجه الألم والغدر بقوة لا تلين.
تساقط مالك على الأرض مغمىً عليه لحظات، وأصوات الضربات تتلاشى تدريجيًا في أذنيه، لكنه لم يكن مستعدًا لأن تكون هذه نهايته.
ببطء، ومع جهد جهيد، رفع رأسه متألمًا، عينيه تتوهجان بعزم لا يخبو، وعلى شفتيه ابتسامة قاتمة.
رأى رجلاً آخر يقترب منه ليكمل المهمة، لكن مالك استجمع ما تبقى من قوته، وتمسك بسكينه بيده اليسرى المرتعشة.
بكل ما أوتي من قوة، دفع الرجل بعيدًا بضربة سريعة ثم شن هجومًا مضادًا، فاجأ خصمه وضربه بضربة قوية على فكه
وقف على رجليه متماسكًا رغم الألم، وبدأ يقترب من نزار الذي وقف يراقب الموقف بصمت، محاولًا إخفاء دهشته من صمود مالك.
كانت لحظة فاصلة، حيث التقت العزيمة بالقدر، وبدأت معركة جديدة بين الظلال والنار، بين الماضي والانتقام.
فجأة، أخرج الرجل الآخر سكينه بسرعة خاطفة، واندفع صوب مالك بنية القتل.
لكن مالك، رغم الإصابة التي تنخر جسده، أظهر يقظة خارقة، تملّك جسده رد فعل سريع، وتفادى الضربة بصعوبة بالغة، مائلةً السكين بعيدًا عن نفسه.
بلا تردد، انقضّ عليه مالك بشراسة، ووجه ضربة قاتلة بسكينه إلى صدر الرجل، الذي لم يجد وقتًا لرد فعل، فسقط ممددًا على الأرض ميتًا.
وقف مالك متنهّدًا، يتلمس جرحه، عينيه تلمعان بإصرار لا يلين، وهو يدرك أن المعركة لم تنته بعد، لكن إرادته أقوى من كل ألم.
في ذروة المعركة المشتعلة، كان مالك يتقدم بثبات نحو خصمه الأخير، عينيه تلمعان بعزم لا يلين، رغم التعب والاصابة. لكنّ هذا الرجل، وهو آخر رجال نزار، لم يكن خصمًا سهلاً، بل كان يختزن في يده سلاحًا خطيرًا.
فجأة، وفي لحظة من التردد القاتل، باغته الرجل بحركة خاطفة، ووجه ضربة سكين قاسية وموجعة صوب صدر مالك. انغرست شفرة السكين في جسده بعمق، حيث اختلطت حرارة الدماء بألم حارق، شعوره وكأن نارًا قد أُشعلت تحت جلده. ارتجف مالك من الألم، وعضّ على شفتيه كي لا يصرخ، لكن الجرح كان عميقًا، والدم ينزف بغزارة، يلطخ قميصه ويقطر على الأرض.
قبل أن يتمكن مالك من الرد، أو حتى أن يستجمع قواه، جاءت رصاصة مفاجئة من الخلف، اخترقت جسده عند الكتف، عبرت عضلاته وجرحت أعصابه. تراجع على إثرها، وتأرجح في وقفته، ودم ينساب من فمه بلا هوادة، وسقط على ركبتيه متألمًا بشدة، والدوار يملأ رأسه. الألم تزايد في صدره، وامتزج بنار الرصاصة التي ضربت عمقه.
وقف قلبه للحظة وكأنها وقفة الموت، لكن الروح التي طالما قاومت الأهوال رفضت الاستسلام. كان الألم يقيده، لكنه في داخله نار الانتقام تزداد اشتعالًا. دارت الدنيا أمام عينيه، وبدأ السواد يلتهم رؤيته، لكنه تمسك بيده التي أمسكت بسكينه، وعزم على أن يقاتل حتى النفس الأخير.
كانت الإصابة بمثابة اختبار حقيقي، لحظة كشف فيها عن هشاشة جسده وقوة إرادته المتفجرة، التي لم تزل تحيا رغم كل الجراح والآلام.