الفصل 39
عاد مالك بإبطاء نظره نحو نزار، كأنه يُعيد تقييم خصمه الذي بدا الآن أقلّ جرأة وأضعف حضورًا. نظراته كانت كسهامٍ حادة تخترق الصمت، تعكس كل الألم الذي طالما اختزنه، وكل الندوب التي تحكي قصص ماضية مظلمة.
قال بصوت منخفض، لكنه ملئ بثقة قاتلة:
"نزار... لقد كنت تعتقد أنني ميت، لكن ها أنا ذا، أعيش لأرى يوم موتك."
تملّكت الصمت الدقائق التالية، حتى بدأ صوت تنفس نزار يتداخل مع هدوء المنزل. كان يتجنب لقاء عيني مالك، يهرب من نظراته، لكنه لم يكن قادرًا على الهروب من الحقيقة التي تتكشف أمامه.
مالِك رفع يديه قليلاً، وكأنه يلوّح بتحدٍ صامت:
"قل لي، كم من الخيانات ستغطيها تلك الندوب؟ كم من الجراح تنتظر أن تُنتقم؟"
ارتجف نزار قليلاً، ثم استدار ببطء، مفضلاً الابتعاد عن مواجهة ذلك المارد الذي خرج من تحت الرماد ليعيد كتابة نهايته.
أمسك بكتفه قبل أن يبتعد بقوة جعلت الرجل يرتجف تحت قبضته الحديدية. رفع مالك يده الأخرى ببطء، وهي تحمل سكينًا باردًا، وضع نصلها بحذر عند رقبة نزار، مما جعل الدم يتجمد في عروق الرجل.
نظر في عينيه ببرود قاتل، وقال بصوتٍ خافت لكنه ثقيل بالتهديد والمرارة:
"هل تذكر كل الألم الذي زرعته فيّ؟ كل الجراح التي تركتها في روحي وجسدي؟"
سحب السكين ببطء، وبدأ يحركه نحو بطن نزار وصدره، كأنه يعيد رسم خريطة معاناة مالك على جسد هذا العدو. نظرات نزار كانت مزيجًا من الرعب والندم، وصمت ثقيل خيم على المكان.
تابع مالك:
"كل ندبة على جسدي، وكل دمعة سكبتها لأجل من كنت تعتقد أنني ضعيف… هي وعد بأنك لن تخرج من هنا إلا محطمًا، محطمًا كما جعلتني."
بقيت يد مالك ثابتة، لكن النصل لم يخترق اللحم، كانت رسالة واضحة، رسالة من الانتقام المبطّن الذي لن يتوقف عند حد، بل سيظل يؤرق كل لحظة من حياة نزار القادمة.
في لحظةٍ حرجةٍ، رفع نزار يده بسرعةٍ، ملوّحًا بإشارةٍ خاطفةٍ لأحد رجاله الخفية، وكأنه يعطِي أمراً صامتًا للهجوم على مالك.
لم ينتبه مالك للحركة المفاجئة، حتى اقترب الرجل المرسَل له بخطواتٍ سريعة، حاملاً في يده سكينًا مسمومًا، يهدف إلى إنهاء حياة مالك بضربة واحدة.
لكن قبل أن يصل إلى هدفه، ترددت رصاصةٌ قويةٌ في الهواء، اخترقت رأس الرجل في لحظةٍ قاتلة، ليسقط على الأرض ميتًا في الحال.
دار مالك بسرعةٍ ليرى مصدر الطلقات، وإذا بإياد واقفٌ، مسدس لا يزال يدخن، وملامحه تعكس جديةً باردةً وقوة إرادة لا تلين.
صمتٌ ثقيلٌ ساد المنزل، تنفس الجميع ببطء، وعيونهم تتلاقى في مشهدٍ يملؤه التوتر والرهبة.
قال إياد بصوتٍ هادئ لكنه حازم:
"لن أدعك تموت، يا مالك. ليس اليوم."
تقدم إياد بخطوات واثقة نحو مالك، وهو لا يزال ممسكًا بمسدس بقوة، لكن نظرته لم تكن تحوي أي عدوان، بل كانت مزيجًا من الإصرار والقلق العميق.
قال بصوت منخفض:
"أنت أكثر من صديق، مالك. لا يمكنني السماح لأنفاسك تنقطع هنا، ولا يمكنني أن أتركك تسقط في هاوية لا عودة منها."
مالك نظر إلى إياد، وعيناه تعكسان الصراع الذي يجتاح قلبه: من جهة الغضب المشتعل، ومن جهة أخرى الارتياح المطمئن لرؤية صديقه واقفًا بجانبه.
هز مالك رأسه ببطء، كأنه يُقرّ بالهزيمة المؤقتة، لكنه لم ينطق بكلمة، فقط ترك نظراته تنزلق بين الرجال الذين ما زالوا واقفين في المكان، أعداءً يحتملون الهجوم في أي لحظة.
إياد واصل حديثه بصوتٍ أكثر هدوءًا:
"دعنا نخرج من هنا قبل أن تصل الأمور إلى نقطة اللاعودة."
مالك أومأ، وبدأ يتقدم نحو إياد، فيما في قلبه تشتعل نيران الغضب والرغبة في الانتقام، لكنه يدرك أن الوقت ليس للقتال الآن، بل للحذر والصبر.
رُفعت الستائر من نافذة القبو، ودخل ضوء الصباح الخافت، ليملأ المكان بصوت جديد، كأنه يهمس بأن النهاية ليست قريبة بعد، وأن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد.
في هذه اللحظة، كان الجميع يعلم أن ما مضى كان مجرد مقدمة لفصل جديد، مظلم وخطير، لن يغفر فيه أحد، ولن ينسى مالك وأياد ما شهدوه.
اشتعلت المواجهة بقوة بين مالك وإياد من جهة، ورجال نزار من جهة أخرى، حيث تصاعدت أصوات الاشتباك والحركة العنيفة داخل المنزل.
مالك كان كالبرق، يهاجم بلا رحمة، يمضي بسكينه ويديه بضربات مدروسة، يقضي على خصومه واحدًا تلو الآخر، بينما إياد يطلق النار بحذر، يغطي تحركات مالك ويبعد عنهم الخطر.
رغم العدد القليل لرجال نزار، إلا أنهم قاتلوا بحقدٍ جامح، محاولين استغلال كل فرصة للانقضاض على مالك وإياد، لكن التنسيق بين الصديقين كان حاسماً، واستطاعا تكسير هجماتهم تدريجياً.
مع تقدم القتال، بدأ عدد رجال نزار يتقلص حتى أصبحوا محاصرين بالكامل، وعندما شعروا بالهزيمة المحتومة، قرر نزار أن يهرب، مستغلاً لحظة تشتت أعدائه.
انسحب بسرعة نحو مخرج، وترك رجاله يسقطون واحداً تلو الآخر، فيما استمر مالك وإياد في تصفية ما تبقى من المعركة.
وأخيرًا، ساد الصمت بعدما قضيا على آخر رجل من رجال نزار، لكن ظلّ شبح نزار نفسه يحوم في الظلال، هاربًا مؤجلاً المواجهة الحاسمة بينهما إلى وقتٍ لاحق.
اقترب مالك من إياد بنظرة حازمة وقال بصوت منخفض لكن لا يخلو من الحزم:
"اذهب وخذ الطفلة من القبو، احرص على حمايتها، لا تتركها وحدها مهما حدث."
نظر إليه إياد متفهمًا، وأومأ برأسه بسرعة، قبل أن يسرع نحو القبو لياخذ طفلة.
أما مالك، فظل واقفًا للحظة، يحدق في الطريق الذي هرب منه نزار، ثم انطلق بخطوات ثابتة نحو اركان منزل باحثا وعنه، عاقدًا العزم على اللحاق به.
كان يعلم أن مواجهة نزار ليست سهلة، لكنها حتمية، ولا مفر من هذه المعركة الحاسمة التي ستكشف كل الأسرار وتضع حدًا للألم الذي طالما عاناه.