خيوط الانتقام - الفصل 36 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خيوط الانتقام
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 36

الفصل 36

في صباح اليوم التالي، كان الضوء الذهبي للشمس يتسلل عبر نوافذ المحل القديمة، ينساب بلطف على الرفوف المملوءة بزجاجات الأعشاب والزيوت العطرية التي تعبق بأريج الذكريات المبعثرة بين جدران المكان. كان الهواء يحمل نسمات باردة بعض الشيء، تعبق بالهدوء الذي ندر وجوده في الأيام السابقة. جلس مالك على الكرسي الخشبي البسيط بالقرب من الطاولة التي كانت تحمل أدواته البسيطة، يحدق في فنجان القهوة المائل بين يديه، يتأمل سطحه الداكن وكأنه يبحث عن إجابات تختبئ بين قطرات القهوة. عيونه كانت تعبّر عن صراع داخلي عميق؛ بين الرغبة في الاستمرار والوزن الثقيل الذي يفرضه الماضي على كاهله. كانت أنفاسه بطيئة ومثقلة، وكأنها تحمل أثقالًا غير مرئية لا تترك له مجالًا للتنفس بحرية. في الجانب الآخر من المحل، تحرك إياد بخطوات هادئة وحذرة، يرتب بيديه المتعبة الرفوف التي تعج بمنتجاتهم الصغيرة. كان يراقب مالك بين الحين والآخر، يحاول أن يقرأ ما بين ثنايا صمته، كان يعرف جيدًا أن الصمت في هذه اللحظات يحمل أحيانًا أكثر من الكلمات. لم يكن يحتاج مالك لأن يتحدث، فكل حركة منه، وكل نظرة، كانت تعبر عن ما يختلج في داخله من ألم وخوف واصرار. مرّت لحظات طويلة، وكل واحدة منها كانت كأنها صفحة تُكتب بصمتٍ في دفتر الذاكرة، صفحات مليئة بالأمل والحذر معًا. تبادل الاثنان نظرات خفيفة، مليئة بالتفاهم غير المعلن، وكان كل منهما يدرك أن الرحلة لم تنتهِ بعد، وأن الطريق لا يزال مليئًا بالعقبات، لكنهما معًا، ربما، سيجدان القوة للمضي قدمًا. دخل الرجل فجأة، ملامحه حادة تلمح في عينيه تلك القسوة التي عانى منها مالك طوال حياته. كان رجلاً ذا بنية جسدية قوية، لكن وجهه يحمل تجاعيد الزمن وندوب الروح، كأنه يحمل معه كل ما خسر مالك وحُرم منه. وقف متأملاً مالك بنظرة تملؤها احتقار، وهو يدير عينيه عبر جسده، متوقفًا عند كل ندبة محفورة في جلده، كأنها خريطة تعكس معاناته العميقة. تلك الندوب التي لم تكن مجرد جروح عادية، بل كانت شهادة صامتة على عذاب لا يُحتمل. مالك شعر بغصة في حلقه حين رآه، عادت إليه ذكريات لم يستطع التخلص منها، ذكريات تحرق قلبه كلما تذكرها. في قلبه اشتعلت نيران الغضب والكراهية، فهو لا يرى في هذا الرجل سوى منبع كل ألمه. إياد وقف عند الباب، متجمداً، عيناه تتسعان من الصدمة، يشعر بثقل اللحظة وكأنها على وشك أن تنفجر. كان يعلم أن وجود هذا الرجل هنا ليس صدفة، وأن اللقاء بين مالك وهذا الماضي المشؤوم لن يكون سهلاً أبداً. الصمت خيم على المحل، وترنحت الكلمات على شفاه مالك، لكنه أبقى صمته حائلاً بينه وبين ذلك الرجل الذي بدا كأنه يمسك بزمام حياته كلها. ابتسم الرجل ابتسامة باردة قاسية، تلك الابتسامة التي لم تحمل سوى الاستهزاء والازدراء، ثم بدأ كلامه ينساب كالسم في أذن مالك، صوته مثقل بالكراهية والاحتقار: "ها أنت ذا، لا زلت على قيد الحياة يا مالك؟ ظننت أن جحيمك سيأخذك مع الريح، وأن الندوب على جسدك كانت شهادة موتك المحتوم. لكن ها أنت تقف، رغم كل شيء... حقًا، أنت أقوى مما توقعت." رفع رأسه بامتنان زائف، ونظر إلى مالك بنظرة لا ترحم، ثم أضاف بنبرة ساخرة: "وأنت تعلم، أخوك الذي تحسبه قد مات، ما زال على قيد الحياة... ولكن، ليس كما تظن. مشوه بالنار، مكسورًا حتى لم يعد يشبه ذلك الإنسان الذي عرفته." تشنجت عضلات مالك، وبدأت عيناه تلمعان بغصة من الألم والغيظ، كاد أن ينهار تحت وطأة الكلمات، وكأن الماضي يتهادى فوق صدره كجبل لا يحتمل. حاول إياد التقدم بسرعة، وأراد أن يتدخل، لكن قبل أن يتمكن من الاقتراب، أمسكَ مالك ذراع إياد بقوة، موجهًا إليه نظرة حازمة: "لا... لا تتدخل هذه المرة." تجمعت غيوم الغضب على ملامح إياد، لكن إصرار مالك كان واضحًا، وصمته يحمل في طياته ألمًا عميقًا لا يطيق أن يرى فيه من يحاول التدخل. زاد الرجل بتعجرفه واحتقاره، صوته يرن في أرجاء المحل، كل كلمة تحفر عميقًا في نفس مالك: "أنت؟ هل تظن أنك رجل؟ مجرد بقعة عارٍ على هذا العالم، مكسورٌ ومشوه، لا أكثر. كل ندوبك التي تفتخر بها، ما هي إلا شهادة على ضعفك وهزيمتك. كنت تتظاهر بالقوة، لكنك لم تكن إلا خائنًا لنفسك. أما أخوك، فهو مجرد ظل منك، بائسٌ ومكسور، حُرم من الحياة التي تستحقها، لكنه على الأقل لم يكن أحمقًا مثلك يحاول القتال بلا جدوى. لقد شوهته النيران، لكنك شوهت حياتك بأفعالك وقصصك الكاذبة. لو كان قد مات منذ البداية، لكان رحمة لك وللعالم. لكنك للأسف، لم تستطع حتى أن تتحمل هذا المصير من الحقيقة، فظللت تمشي كالجثة الحية، تبحث عن خلاص لا يأتي. أنت لا تستحق الشفقة، لا تستحق العطف، ولا حتى ذكر اسمك يجب أن يكون مرتبطًا بأخيك الذي عانى من أجل أن يكون أفضل منك. أنت مجرد قصة فشل، وجهك يحمل خزي الماضي، ويداك ملطختان بدماء أعدائك، وأنت لم تفعل شيئًا سوى أن تكون عبئًا على كل من حولك." تلك الكلمات القاسية تقطعت في صدر مالك، لكن النار التي أشعلها الألم داخل قلبه تحولت إلى غليان عنيف. انطلق نحوه بغضب لم يسبق له مثيل، يهاجمه بعنف وبشراسة. تلاقى الاثنان في اشتباك عنيف، مالك يصرخ بكلمات تخرج من أعماق جرحه، يضرب بلا رحمة، وكل ضربة تعبر عن سنوات من المعاناة التي تراكمت بداخله. الرجل حاول أن يرفع يديه للدفاع عن نفسه، لكن مالك كان أسرع، ضرباته لم تترك له فرصة للتصدي، حتى أغمى عليه وغاب عن الوعي، وسقط إلى الأرض بلا حراك. لكن قبل أن يتمكن من توجيه ضربة قاتلة، انقضّ إياد بقوة واصرار، ممسكًا بمالك وأبعده عن الرجل، يحاول تهدئته ويمنعه من التدمير الذاتي. بصوت حازم مفعم بالقلق، قال إياد: "مالك، توقف! لا تترك الألم يحكمك! لا تسمح له أن يدمر ما بقي منك. ولا تسمح له أن يخرّبك." كانت قوة إياد وصموده هي السور الذي يحمي مالك من الانهيار الكامل، بينما داخله لا زال صراع لا ينتهي بين الرغبة في الانتقام والرغبة في النجاة. بدأت أنفاس مالك تهدأ قليلاً، ويداه ترتجفان قليلاً من فرط التوتر والغضب المكبوت. نظر إلى إياد بعينين مشحونتين بمزيج من الألم والامتنان، ثم أخفض رأسه ببطء، كأنه يستسلم للحظة الضعف التي نادرًا ما يُسمح له بها. قال بصوتٍ خافت، لكنه مليء بالمرارة: "لم أعد أتحمل المزيد، كل كلمة قالها كانت كالسكاكين تغرز في روحي... كنتُ أظن أنني دفنت كل ما يؤلمني، لكن يبدو أن الماضي لم يرحل قط." اقترب إياد، وجلس بجانبه على الأرض، ووضع يده على كتف مالك: "أعلم يا صديقي... أعلم كم هو مؤلم أن تُجرح الذكريات بهذه الطريقة، لكن الغضب لن يعيد شيئًا. نحن هنا الآن، وأنت لست وحدك." مالك رفع رأسه ونظر إلى إياد، في عينيه لمعة جديدة، لم تكن فقط غضبًا، بل أيضًا رجاءً وإصرارًا: "أنا أخاف أن أفقد نفسي... أن أغرق في ظلام لا مفر منه." تنهد إياد بعمق، وقال بهدوء: "لن أتركك تهرب من نفسك، وسأقف إلى جانبك مهما كان الثمن. لكن عليك أن تسمح لي بمساعدتك، أن تعطيني فرصة لنكمل الطريق معًا." ابتسم مالك ابتسامة باهتة، ثم قال: "ربما حان الوقت لأبدأ في مواجهة ما أهرب منه... لكن بحضورك فقط." جلسا هناك في هدوء، وسط الصمت الذي امتزج بالوعد الخفي بأنهما لن يتركوا بعضهما أبدًا، مهما كانت العواصف التي ستأتي. _____ بقي الصمت يخيم على أركان المكان لفترة طويلة، حتى قام مالك بهدوء نحو باب المحل، أطبق عليه بقوة، وأنزل الستائر بتؤدة وكأنّه يُغلق صفحة من حياته. عاد بخطوات ثقيلة إلى حيث كان الرجل واقعًا على الأرض مغمى عليه. تقدم إياد نحوه بنظرة قلقة وسأل بلهجة حازمة: "بماذا تفكر الآن، مالك؟ هل هذا ما تريده حقًا؟" التقت عيناهما، وكان في نظرة مالك شيئًا من العزم الذي فهمه إياد دون كلمات. تنهد إياد وقال بصوت مملوء بالقلق: "مالك، هل أنت متأكد من نفسك؟ هل ما تفعله صائب؟ ربما كل هذا مجرد فخ، خدعة لإيقاعنا في ورطة أكبر." ابتسم مالك ابتسامة قاتمة وقال بثقة ملؤها الألم: "وإن كان الأمر كذلك، فهل تعتقد أنني أستطيع أن أعيش في ظل الشك طوال حياتي؟ وإذا كان حقًا حيًّا، لا يمكنني أن أترك هذا الأمر دون أن أبحث عنه." وقف إياد للحظة، يتأمل كلمات صديقه، وأخيرًا قال: "حسنًا، إذا كنت مصرًا، فسنسير في هذا الطريق معًا. ولكن بحذر، هذه ليست لعبة." اقترب الاثنان من الرجل الملقى على الأرض، وأخذوا الحبال التي كانت معدة مسبقًا. بحذر ورباطة جأش، قاموا بربط يديه وقدميه، وتأكدوا من تثبيته جيدًا. ثم حملوه ببطء ونقلوه إلى القبو المظلم تحت المحل، حيث تركوه هناك في انتظار أن يستفيق. وقف مالك بجانب الباب، ينظر إلى الرجل المربوط، قلبه يعتصره مزيج من الأمل والخوف، فيما كان إياد يراقب صديقه بصمت، يحاول أن يستوعب ما سيحدث لاحقًا.