الفصل 35
كانت عقارب الساعة تتثاقل في سيرها، والليل يغلف المدينة برداء الصمت. جلس مالك على طرف السرير، يحدق في الفراغ، بينما كلمات الرجل الغريب تطنّ في رأسه بإلحاحٍ لا يرحم.
أخيرًا، دفع نفسه واقفًا، ارتدى معطفه وأخذ مفاتيحه، ثم توجه نحو الباب بخطوات مترددة، لكنها مصممة.
فتح الباب ببطء، غير متوقع أن يجد أحدًا هناك. لكن عينيه اصطدمتا بإياد واقفًا على الرصيف، ويداه في جيبيه، وعيناه مثبتتان عليه كما لو كان ينتظره منذ زمن.
ـ "إلى أين، مالك؟"
ارتبك مالك لحظة، ثم حاول المرور دون رد.
لكن إياد قطع الطريق أمامه، صوته يحمل رجفة عصبية:
ـ "إلى أين ستذهب في هذا الوقت؟"
ـ "لا شأن لك، إياد."
اشتدت ملامح إياد، وكأن شيئًا في داخله انكسر فجأة:
ـ "بل هو شأني… لأنك أنت ما تبقى لي، أفهمت؟ أنت لن تضيع مني مجددًا، لن أسمح لك أن تعود إلى ذلك المستنقع."
مدّ مالك يده ليدفعه جانبًا، لكن إياد أمسك بذراعه بقوة لم يتوقعها منه:
ـ "أرجوك… هذه المرة، استمع لي."
ظل مالك يحدق فيه لحظات، قبل أن يزفر ببطء ويخفض يده.
ـ "حسنًا… لن أذهب."
ابتعد عن إياد وعاد إلى الداخل، بينما بقي إياد واقفًا في مكانه، يحاول إخفاء الارتجاف في أصابعه. أما مالك، فقد أبقى الباب مفتوحا خلفه، وأسند ظهره إلى الحائط، وهو يعلم أن هذا الاستسلام لم يكن سوى هدنة قصيرة مع نفسه.
______
وقف إياد خارج المنزل، تتقاذفه أمواج الألم والضغوط التي تلاحقه منذ أيام. لم يستطع منع نفسه من الانهيار، إذ جثا على ركبتيه وسط الصمت البارد الذي ملأ المكان، وخرجت من بين شفتيه أنفاس متقطعة، تعكس ما يعتصر قلبه من ألمٍ وقلقٍ لا يوصفان. كانت دموعه التي لم يرَها أحد، تسيل بحرقةٍ مخفية، تتماهى مع رياح الصباح الباردة.
رغم كل شيء، حاول أن يقاوم، أن يعيد ترتيب فوضى مشاعره، لكن ثقل العبء الذي يحمله كان يفوق طاقته. ارتجفت كتفاه مع كل زفرة، وحاول أن يفرض على نفسه الصمت والقوة، رغم أن عقله كان يصدح بأصوات الحيرة والخوف من مصير صديقه مالك.
عاد إلى الداخل، خطواته ثقيلة، وكل حركة تبدو كأنها تتحدى ثقل قلبه. وجد مالك جالسًا في الزاوية، يتأمل بصمت، عينيه تعكس دهشةٍ مختلطة بالتردد. لم يتحدثا فورًا، بل ساد بينهما هدوء مشحون بالكثير من الكلام غير المنطوق.
ثم بدأت نظرات مالك تجول في أرجاء الغرفة، تبدو كأنها تخطط لشيء ما. نظر إلى إياد بنظرة تختلط فيها الحيرة بالعزم، وكأن روحه تحاول أن تخرج من أسر ألمها. تلعثم في الكلام للحظة، ثم قال بصوتٍ منخفض:
"سأرحل... ربما لو كنت وحدي، أستطيع أن أجد بعض السلام بعيدًا عن كل هذا."
أغمض عينيه للحظة، كأنه يستجمع شجاعته، لكن عينيه سرعان ما التقتا بنظرات إياد، الذي بقي جالسًا بلا حركة.
رفع إياد رأسه، وصمت قليلًا، ثم قال بصوتٍ هادئ، لكن فيه ثقل الثقة:
"لا تذهب، مالك. أنا هنا، ولن أتركك، مهما كانت الطريق صعبة."
كان صمت مالك يتسرب إلى أرجاء الغرفة، لكنه لم يتحرك. أما إياد، فبقي في مكانه، جالسًا، يرفض الرحيل، حاملاً بيده وعدًا لم ينطق به لكنه ملتصق بقلبه: أن يبقى، وأن يكون السند الذي لا ينكسر، حتى لو لم يكن مالك مستعدًا لقبول ذلك بعد.