الفصل 34
ظل مالك واقفًا عند باب المحل، عيناه معلّقتان على الفراغ الذي ابتلع الرجل قبل لحظات، وكأن الشارع قد ابتلعه عمدًا. لم يسمع صوت إياد وهو يناديه، كل ما شعر به كان خيطًا يلتف حول قلبه ويشده للخارج.
تحرك فجأة، اندفع إلى الشارع بخطوات متسارعة، عينيه تفتشان بين وجوه المارة، بين الزوايا والطرقات الجانبية، علّه يلمح طرف ثوب الرجل أو ظلًا له. قلبه كان يخفق بقوة، والهواء البارد يلسع صدره.
انعطف إلى أحد الأزقة، ثم آخر، يلهث بين الركض والتوقف، لكن الشوارع لم تمنحه سوى الصمت واللامبالاة. لم يكن هناك سوى أبواب مغلقة ووجوه غريبة لا تعرف شيئًا عن الرجل الذي ترك كلماته كطعنة مفتوحة.
بعد وقت بدا له طويلًا، عاد أدراجه. خطواته أثقل مما كانت، وكتفيه منحنين قليلًا، كأن ما فقده للتو أكبر من أن يُستعاد.
دخل المحل بصمت، لم ينظر إلى إياد، ولم يعلّق. جلس على الكرسي خلف الطاولة، وأسند مرفقيه إليها، ثم دفن وجهه بين كفيه.
كانت أنفاسه بطيئة، لكن عينيه خلف الظلام كانتا تتسعان لشيء أكبر من التعب… بداخله كانت أول خيوط الانهيار تنسج بهدوء، وتلتف حوله كما يلتف الليل حول جسد جريح.
اقترب إياد ببطء، وضع كفه على الطاولة، وقال بصوت منخفض لكن حاد:
ـ "مالك… سمعت ما قاله الرجل، لكنك لا تنوي أن تصدّقه، أليس كذلك؟"
رفع مالك رأسه ببطء، عينيه غارقتان في اضطراب غريب:
ـ "كيف أتجاهل كلامًا كهذا؟ أخي… قال إنه لا يزال حيًا."
جلس إياد مقابله، مائلًا بجسده إلى الأمام، وصوته مشحون بالرفض:
ـ "رجل مجهول يظهر فجأة، يلقي بجملة كهذه ثم يختفي… ألا ترى أن الأمر مجرد خدعة؟ يريدك أن تركض خلف وهم، وأن تنزف من جديد."
ـ "لكن نبرته، إياد… لم تكن نبرة كاذب. بدا وكأنه يعرف."
أطرق إياد للحظة، ثم ضرب بيده الطاولة بخفة، محاولًا أن يوقظه من وهمه:
ـ "وحتى إن بدا صادقًا، هذا لا يثبت شيئًا. لا تدع كلمة عابرة تفتح جرحًا دفنته بدمك. أخوك… رحل يا مالك، وهذه هي الحقيقة."
أدار مالك وجهه، صوته يتهدج وهو يتمسك بالخيط الرفيع:
ـ "وإن لم يكن رحل؟ وإن كان حيًا حقًا؟"
اقترب إياد أكثر، عينيه تلمعان بصرامة وقلق:
ـ "وإن لم يكن؟! ماذا ستفعل بنفسك إن اكتشفت أن الأمر كله كذبة؟ سيحطمك ذلك أكثر مما أنت عليه الآن."
ساد بينهما صمت ثقيل، لم يقطعه سوى أنفاس مالك المتسارعة. ثم نهض فجأة، قبض على ردائه بقوة، وقال بلهجة قاطعة:
ـ "عدنا للعمل، إياد. لا وقت للثرثرة."
لكن إياد كان يعلم أن ما قيل لن يختفي بسهولة، وأن هذا الصمت لم يكن ختام الحديث… بل بدايته.
مرّت الأيام ببطء خانق، والجو في المحل تغيّر؛ لم يعد الضحك الخفيف ولا التعليقات العابرة حاضرة كما كانت.
مالك كان يؤدي عمله بصمت، يزن الأعشاب ويخلط الزيوت بيدين آليتين، وعيناه تشرُدان في الفراغ وكأنهما تتبعان طيفًا لا يراه سواه.
إياد لم يكن غافلًا. كان يراقبه من بعيد، يلتقط تلك اللحظات الصغيرة التي تكشف ما يحاول مالك إخفاءه:
الشرود الطويل وهو يحدق في الباب، قبضته التي تشد على حافة الطاولة حتى تبيضّ مفاصله، والأنفاس الثقيلة التي يطلقها فجأة وكأنه يحاول إخماد نيران بداخله.
وفي مساء اليوم، لاحظ إياد نفس العلامات التي رآها منذ ايام حين انهار مالك لأول مرة.
اقترب منه ببطء، وهو يقول بحذر:
ـ "مالك… لا تكرر ما حدث في المرة الماضية. أنا أرى نفس الشرارة في عينيك."
رفع مالك رأسه ببطء، وتلك الظلمة العميقة في نظراته جعلت قلب إياد ينقبض:
ـ "أحيانًا يا إياد… الماضي لا يعود ليطرق الباب، بل يقتحمه. وما يحدث الآن… قد يكون البداية."
سادت لحظة صمت ثقيل بعد كلمات مالك، حتى إن عقارب الساعة بدت أبطأ من المعتاد.
إياد ظل واقفًا، يترقّب، لكن مالك لم يتحرك… إلى أن انفجرت الكلمات من فمه فجأة، كأنها اندفعت من جرح مفتوح:
ـ "ذلك الرجل… قال ما لا يمكن أن أتجاهله، إياد. ذكر أخي… ذكر تفاصيل لا يعرفها أحد… كيف؟!"
ضرب بقبضته الطاولة بقوة، فاهتزت القوارير الزجاجية وتناثرت رائحة الأعشاب في الهواء.
ـ "إن كان ما قاله حقيقة… فإن كل ما بنيته من يقين سينهار. وإن كان كذبًا… فسأجعله يدفع الثمن على كل حرف."
اقترب إياد، واضعًا يده على كتفه يحاول تهدئته، لكن مالك أبعده بعصبية:
ـ "لا تقل لي أن أهدأ! لقد قضيت حياتي أبحث عن أشباح الماضي… وهذا الرجل قد يكون الدليل الوحيد الحي بينهم."
ارتجف صوته وهو يكمل:
ـ "إياد… إن كان أخي… ما زال حيًا… فلن يوقفني أحد."
نظر إليه إياد طويلًا، وعرف في تلك اللحظة أن مالك قد بدأ رحلة لن يعود منها كما كان.