الفصل 33
بعد مرور يومين، كان المحل في هدوء نسبي، وأصوات الشارع تأتي من خلال الباب المفتوح. إياد يجلس خلف الطاولة ينظم الدفاتر، بينما مالك يرتب رفوف العطور، يحاول إشغال نفسه عن التفكير في تلك النظرة الغريبة التي رافقته منذ يومين.
رنّ جرس الباب الخفيف، فرفع مالك رأسه… وإذ به يرى الرجل ذاته، يدخل بخطوات بطيئة لكن ثابتة. عيناه هذه المرة لم تترك وجه مالك منذ اللحظة الأولى، وكأنهما تحملان قرارًا حاسمًا.
توقف أمام الطاولة، وألقى نظرة سريعة على إياد، ثم عاد يحدق في مالك، وقال بصوت هادئ لكنه عميق:
— "أخوك… ما زال حيًّا."
تجمّد الهواء في المكان، وشعر مالك بثقل غريب يهبط على صدره. إياد رفع رأسه فورًا وحدّق في الرجل بين الدهشة والتساؤل:
— "عن أي أخ تتحدث؟"
لكن الرجل لم يجب، بل ابتسم ابتسامة غامضة، ثم التفت نحو الباب وكأنه يهرب من سيل الأسئلة قبل أن يبدأ.
خطواته كانت سريعة، حتى إن مالك لم ينتبه إلا وهو يختفي خلف زحمة الشارع.
ظل واقفا بلا حراك، كأن عقله توقف عن العمل للحظة، والصدمة تعصف بكل شيء في داخله.