الفصل 32
مع إشراقة صباح اليوم الرابع، حلّ الصمت الهادئ في الغرفة التي ما زالت تشهد على صراع الأيام الماضية بين الألم والشفاء. استيقظ إياد مبكرًا، قبل أن تفتح الشمس عينيها كاملة، قام بتثبيت أنفاسه وهو يشعر بثقل المسؤولية الذي يرافقه كظل لا يفارقه.
نهض بهدوء من سريره، خطى بخطوات خفيفة نحو الحمام، وغسل وجهه بالماء البارد الذي أيقظه كليًا، محاولًا أن يستعيد تركيزه ليتجه بعدها إلى المحل. كان يعتزم العودة سريعًا لإعداد كل ما يلزم، لكنه لم ينسَ مالك.
بينما كان يرتب أفكاره ويتجه نحو الباب، شاهد مالك وهو يتحرك ببطء، يحاول النهوض رغم التعب الذي لا يزال واضحًا على ملامحه. اقترب مالك منه، نظرة حائرة وملامح تعب تعكس مقاومة الألم.
قال مالك بصوت منخفض لكنه ثابت:
"لن تذهب وحدك، سأذهب معك."
توقف إياد للحظة، نظر إليه بعينيه الممتلئتين بالامتنان والقلق، لكنه ابتسم ابتسامة خفيفة تعبر عن شجاعة جديدة تولدت في قلبه.
"حسنًا، سنتوجه معًا."
استعد الاثنان للخروج، وكأنهما يستعيدان قطعة من الحياة التي حاول المرض أن يسرقها، متحدين سويةً برغبة لا تقهر في مواجهة ما ينتظرهما في ذلك المحل الغامض.
---
غادرا المنزل بخطوات متناسقة، مالك يرتدي قميصًا أسود بأكمام طويلة يخفي بها ندوبه، وإياد بمعطفه البني الذي اعتاد ارتداءه في الصباحات الباردة. كان الهواء العليل يلامس وجهيهما، والشارع يكتظ ببدايات يوم جديد، أصوات الباعة ووقع الأقدام تختلط برائحة الخبز الطازج المنبعثة من المخبز المجاور.
كان إياد يسير بخفة وكأنه يسابق الوقت، بينما مالك يحافظ على وتيرة أبطأ، يراقب الطريق بعينين نصف مغمضتين.
قال إياد وهو يلتفت نحوه مبتسمًا:
"أتعلم؟ لقد مرّ أسبوع كامل والمحل مغلق… سنحتاج إلى أعجوبة لإقناع الزبائن أننا لم نهرب."
هزّ مالك رأسه بابتسامة ساخرة:
"أسبوع؟! أنت تبالغ كعادتك… أربع أيام فقط، لا أكثر."
رفع إياد حاجبيه باستخفاف:
"أربع أيام؟ بل سبعة! يبدو أن مرضك جعل عقلك في سبات."
رد مالك بهدوء، وعيناه تلمعان بشيء من التحدي:
"وهل نسيت أنني كنتُ من يراقب الساعة حتى وأنت تغطّ في النوم؟"
ضحك إياد وهز رأسه:
"إذًا أنت تعترف أنك كنت تعد الأيام على أصابعك، مثل الأطفال!"
ابتسم مالك ابتسامة جانبية، وكأن الحديث لا يعنيه، لكن في داخله شعر بدفء خفي، لم يعتد أن يعيشه في مثل هذه الحوارات البسيطة.
وصل الاثنان إلى باب المحل، وقف مالك لحظة يحدّق في الواجهة التي غطتها طبقة خفيفة من الغبار، ثم قال بصوت منخفض:
"لنعد إليه الحياة."
فتح إياد الباب، ودخلا معًا، فاستقبلتهما رائحة الأعشاب الجافة والزيوت العطرية. الضوء الذي تسلل من النوافذ أضاء الأرفف المتناثرة، كاشفًا عن فوضى الأيام الماضية. تبادلا نظرة صامتة، ثم بدأ كل منهما يتحرك في أرجاء المكان، يزيح الغبار، ويرتب البضائع، وكأنهما يرمّمان شيئًا أعمق من مجرد محل.
---
لم تمضِ سوى دقائق قليلة على انشغالهما بتنظيف الأرفف حتى دوّى صوت جرس الباب الصغير المعلّق أعلاه، فالتفتا معًا نحو الداخل.
دخل رجل في منتصف العمر، بملابس بسيطة، ووجه يحمل ملامح التعب، لكنه ابتسم ابتسامة خفيفة حالما رآهما.
قال وهو يتقدم بخطوات مترددة:
"أخيرًا… ظننت أنكما أغلقتما المحل للأبد."
ابتسم إياد معتذرًا:
"كانت مجرد وعكة صحية طارئة… لكننا عدنا للعمل كالمعتاد."
اقترب الرجل من الطاولة الخشبية في الوسط، يمرر نظره على قوارير الزيوت المصفوفة بعناية، ثم قال:
"أحتاج إلى خليط الأعشاب الذي أعطيتني إياه آخر مرة… لقد أفادني كثيرًا."
نهض مالك من خلف الطاولة، وتوجه بخطوات هادئة نحو الرف، التقط كيسًا صغيرًا وبدأ يزن الأعشاب بدقة.
حين سلّم مالك الكيس للرجل، قال الأخير بابتسامة ممتنة:
"سررت بعودتكما… المحل بدونكما بلا روح."
شكره إياد بحرارة، فيما اكتفى مالك بإيماءة قصيرة، لكن عينيه تابعتا الرجل حتى غادر، وكأن شيئًا في داخله هدأ قليلًا مع هذا الترحيب البسيط.
عاد الاثنان إلى العمل بصمت، غير أن الجو في المحل صار أخف، كأن أول زبون أعاد معه بعض الحيوية التي غابت
تتابع دخول الزبائن على غير المعتاد في ذلك الصباح، وكأن غياب المحل لأيام جعل الناس يفتقدون رائحته الممزوجة بالأعشاب والزيوت.
كانت الطاولة الخشبية تمتلئ شيئًا فشيئًا بالأكياس الصغيرة والقوارير الزجاجية، فيما ينشغل إياد بالحديث مع أحدهم عن وصفة لآلام الظهر، بينما كان مالك يوزع نظراته بين الميزان ووجوه الداخلين.
ضحك إياد بخفة وهو يعد النقود:
"يبدو أننا سنعوض كل الأيام التي أغلقنا فيها المحل في يوم واحد."
رد مالك دون أن يرفع نظره عن عمله:
"قلت لك… أربعة أيام فقط، لا تُضخّم الأمر."
هز إياد رأسه بابتسامة لا تخلو من السخرية، ثم التفت ليستقبل زبونًا آخر.
لم يلحظ في البداية أن هذا الأخير ظل واقفًا عند الباب، يراقب مالك بعينين ثابتتين، وكأنه يدرسه بصمت.
لم يدم الموقف سوى ثوانٍ قبل أن يخطو الرجل نحو الرفوف ويسأل عن نوع معين من الزيوت، لكن مالك شعر بشيء غريب في طريقة نظره… إحساس خفيف بأن هذا ليس مجرد زبون عابر.
لم يطل مكوث الرجل في المحل، اكتفى بالحصول على قارورة زيت صغيرة، دفع ثمنها بهدوء، ثم رفع عينيه نحو مالك نظرة قصيرة لكنها محملة بشيء لم يستطع تفسيره… وكأنها تحمل بين طياتها جملة غير منطوقة.
عند الباب، التفت الرجل قليلًا قبل أن يغادر، وكأنه أراد أن يتأكد من تثبيت صورته في ذهن مالك، ثم خرج دون أن يقول شيئًا آخر.
وقف مالك مكانه للحظة، يتأمل الفراغ الذي تركه، وملامحه جامدة، بينما كان إياد يتحدث مع زبون جديد دون أن يلحظ ما جرى.
لكن في داخله، كان مالك يشعر بأن تلك النظرة لم تكن عابرة، وأن صاحبها سيعود… أو ربما ينتظره في مكان آخر.
لم يعرف لماذا، لكن قلبه بدأ ينبض على نحو مختلف، وكأن خيطًا مجهولًا بدأ يلتف حوله، يجره نحو شيء من ماضيه لم يظن أنه سيواجهه مجددًا.